التقوى هي الهدف الرئيسي من فريضة الصوم التي فرضها الله تعالى على المسلمين.. من هذا المنطلق تدور تساؤلات عديدة حول كيفية تحقيق هذا الهدف بما يقرب كل مسلم ومسلمة إلى الله.. وفي حوارنا مع د.علي جمعة، مفتي الديار المصرية أكد أن قراءة القرآن، وفهم معانيه مع قيام الليل واتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم من شأنها تحقيق هذا الهدف..
مشيرًا إلى رخصة الإفطار التي شرعها الله لكل من المسافر والمريض، وما يتعلق بهذه الرخصة، كما تطرق للوسيلة المثلى لإخراج زكاة الفطر في هذه الأيام، وطالب المفتي جمعة بالتنسيق بين القائمين على موائد الرحمن لتحقيق الفائدة المثلى منها، فإلى سياق الحوار..
يقول الله تعالى {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}.. في رأيك كيف يمكن أن يتعامل المسلمون مع القرآن الكريم في هذا الشهر؟
المسلمون مطالبون بضرورة فهم القرآن الكريم وآليات التعامل معه حتى لا يفهم ويفسر بشكل سيئ، خاصة أننا في شهر وصفه الله سبحانه وتعالى بأنه أنزل فيه القرآن، والقرآن كتاب هداية لقوله تعالى {ذلك الكتاب لا ريب فيه* هدى للمتقين} وهو لا يكون هداية إلا إذا أقره المتقون، يقول تعالى {واتقوا الله ويعلمكم الله} وتدبر القرآن أمر تفرضه أمور عديدة؛ لاسيما أن المسلمين اعتبروه محور حضارتهم .
حيث تولدت لديهم علوم كثيرة من مدارستهم القرآن كالفقه وأصوله والتصوف والنحو والصرف وعلوم القراءات، وهذا يعني ضرورة تدبر القرآن والبحث عن الحكمة الإلهية في التاريخ والأنفس والآفاق بداخله لقوله جل وعلا في كتابه {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}.
ولكن ما حكمة الله تعالى في إخفاء ليلة القدر التي تنزل فيها القرآن؟
اقتضت حكمة الله أن يخفي ليلة القدر في رمضان ليجتهد الصائم في طلبها، خاصة في العشر الأواخر منه، ويوقظ أهله كما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم أملاً في أن توافقه ليلة القدر..
يقول تعالى{ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر}، وبالتالي عندما يوافق الصائم هذه الليلة يحصل على حظه من الدنيا، وينال رضا الله في دنياه وآخرته.. من هنا أخفى الله ليلة القدر في أيام شهر رمضان حثًا للصائمين على مضاعفة العمل في هذا الشهر الكريم، وهذا ما كان يفعله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي كان يجتهد في طلبها في العشر الأواخر من رمضان.
قيام الليل في شهر رمضان سنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم .. ماذا عن فضل هذه السنة؟
لقد سن الرسول صلى الله عليه وسلم قيام الليل، ورغب فيه، فعن أبي هريرة «رضي الله عنه» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وهذا القيام يتحقق بصلاة التراويح التي اختص بها شهر رمضان.. معنى قيام الليل إيمانًا واحتسابًا أي محتسبًا ومدخرًا أجره عند الله تعالى لا عند غيره، وذلك بإخلاص العمل لله، وقد وردت روايات عديدة تدلنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها ثماني ركعات، وصلاها عشرًا، واثنتي عشرة ركعة، بحسب الأحوال التي كان عليها، ويمكن القول إن أقل صلاة للتراويح ثماني ركعات وأكثرها لا حد له.
أيهما أفضل.. صلاة التراويح بالمسجد أم في البيت؟
من الأفضل أداء صلاة التراويح في المسجد، وإن كان بعض المذاهب يرى أن صلاتها في البيت أفضل؛ إلا لمن خاف الكسل عنها إذا صلاها في البيت، أو كان نزوله يساعد في إقامة هذه الشعيرة كأن يكون إمامًا للناس أو حسن الصوت أو ممن يقتدى به.
ما حكم من يصوم شهر رمضان دون إقامة الصلاة؟
لكل عبادة من العبادات المفروضة أركانها وشروطها الخاصة، ولا تتعلق أركان وشروط عبادة بأداء العبادات الأخرى؛ فإن أدى المسلم فريضة على الوجه الصحيح مع تركه لغيرها من العبادات الأخرى فقد أثابه الله عنها، ولكنه يأثم لتركه أداء العبادات الأخرى، وبناء على ذلك، فمن صام وهو لا يصلي فصومه صحيح غير فاسد؛ لأنه لا يشترط لصحة الصوم إقامة الصلاة، ولكنه آثم شرعًا من جهة تركه للصلاة، ومرتكب بذلك كبيرة من كبائر الذنوب، ويجب عليه أن يبادر بالتوبة إلى الله تعالى.
أعطى الله رخصة للمسافر الصائم في أن يفطر.. ولكن ماذا عمن يسافر باستمرار وبشكل متكرر؟
ربط الشرع رخصة الفطر بتحقيق علة السفر فيه دون النظر إلى ما يصاحب السفر عادة من المشقة، فإذا وجد السفر وجدت الرخصة، وإذا انتفى انتفت؛ أما المشقة فهي علة غير منضبطة؛ لأنها مختلفة باختلاف الناس، وبالتالي لا يصلح ربط الحكم بها، يقول تعالى {ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} فمتى تحقق السفر في الصائم جاء الفطر.. شريطة ألا يكون سفره لغرض المعصية سواء اشتمل سفره على مشقة أم لا، وسواء تكرر سفره هذا أم لا، حتى لو كانت مهنته تقتضي سفره المستمر فإن هذا لا يرفع عنه الرخصة الشرعية.
قلت إن إخراج قيمة زكاة الفطر على هيئة أموال أنفع للفقراء والمحتاجين.. على أي أساس استندت في رأيك هذا؟
إخراج القيمة المالية لزكاة الفطر جائز؛ تقليدًا للحنفية في ذلك، وهو أفضل في أيامنا هذه من إخراج الطعام؛ لأن المال أنفع للفقير؛ ويجوز للمزكي أن يشتري بقيمة زكاته أشياء عينية تنفع الفقير في سد حاجته وكفايته، أو أن يدفع قيمة زكاته إلى من يكون وكيلاً عنه في ذلك، وفقًا لما ذهب إليه السادة الأحناف، وقد كان عمر بن الخطاب يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم.
هل يجوز توجيه أموال الزكاة لليتامى والفقراء للإنفاق عليهم في مجال التعليم؟
للعلماء في مقدار ما يعطى للفقير والمسكين من الزكاة مسلك؛ فمنهم من يرى أن الإعطاء وحده «الكفاية» فلا يعطي المحتاج إلا بمقدار ما يسد كفايته ويقضي حاجته، ومنهم من يرى أن حد العطاء هو «الإصلاح»، فرأوا أن الفقير يعطى من الزكاة حتى تخرجه من حد الحاجة إلى حد الغنى، بل يعطى ما يغنيه عمره كله بتقدير العمر الغالب لأمثاله.
وبالتالي فإذا كان المحتاج صاحب حرفة أُعطي من الآلات في حرفته ما يكفيه لتمام النفقة عليه وعلى أبنائه، وإن كان صاحب علم أُعطي من المال ما يغنيه وأطفاله ويفرغه لهذا العلم طيلة عمره من كتب وأجرة تعلم ومعلم وغيرها.
ومن ذلك منح التفرغ التي تعطى لمن أراد الحصول على مؤهل علمي يناسب كفاءته العلمية وقدرته العقلية أو حتى لمن يحتاج إلى هذا المؤهل العلمي ليسلك في وظيفة تدر عليه دخلاً يكفيه ومن يعوله، حيث اقتضت طبيعة العصر أن صارت الوظائف مبنية على المؤهل العلمي، وبناء على ذلك فإنه يجوز إنفاق زكاة المال على مصروفات تعليم اليتامى والمحتاجين.
شريعة الإسلام
ما تعليقك عمن يجاهر بالإفطار في نهار رمضان دون سبب، خاصة أن هذا المظهر أصبح مألوفًا خلال السنوات الأخيرة؟
لا يجوز الإفطار إلا كما بينت شريعة الإسلام في حالتي السفر والمرض، وعلى المسلم والمسلمة أن يلتزما بذلك، وأن يقضيا الأيام التي أفطراها بعد زوال العذر.
في شهر رمضان يقضي كثير من الموظفين في المؤسسات الحكومية أغلب أوقات النهار في إقامة الصلاة وقراءة القرآن مما يترتب عليه تعطيل مصالح الناس.. ما رأيك؟
هذا أمر غير مقبول إطلاقًا.. فلا يصح لإنسان أن يترك عمله بحجة أنه يطيل في الصلاة أو في قراءة القرآن؛ خاصة أن هناك مواطنين قد يأتون من مناطق بعيدة لقضاء مصالحهم، التي تتوقف بدورها على توقيع أو تأشيرة من موظف.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية