كيف يكون رمضان في أوروبا؟. وبمعنى آخر كيف يعايش المسلمون هذا الشهر الكريم هناك؟ وكيف ينظر غير المسلمين إلى الصوم وما تأثيراته على نظرتهم للإسلام؟ هذه التساؤلات لا يدرك إجابتها إلا من عايش رمضان في بلده وعايشه في بلاد أخرى غير إسلامية حيث يستطيع أن يدرك الفرق بين الأمرين. من هذا المنطلق يأتي هذا الحوار مع د. محمد أبوليلة، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، الذي يلقي الضوء على رمضان في الخارج بحكم سفره لسنوات كثيرة إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى تناول بعض النقاط التي فرضها سياق الحوار...
ظروف عملك اضطرتك للسفر كثيرًا خارج مصر.. كيف ينظر الغرب إلى الإسلام في شهر رمضان؟
يمكن القول إن الصيام هو البوابة الأولى لدخول الأوروبيين في الإسلام وهذا ليس مجرد كلام وإنما واقع تؤكده أرقام الذين يعتنقون الإسلام من خلال شهر رمضان، فهم أضعاف الذين يعتنقون الإسلام في الشهور الأخرى..
وهذا راجع في الأساس إلى إعجاب غير المسلمين في الدول غير المسلمة لاسيما الأوروبية بطقوس المسلمين خلال شهر الصوم، لدرجة أن كثيرًا من الأوروبيين كانوا يصومون مع المسلمين وكانوا يأتون للإفطار معهم في المسجد، وبالتالي كانت تشكّل لديهم باكورة معرفة للدين الإسلامي، وهذا يدفعهم رويدًا رويدًا للتعرف على هذا الدين وتعاليمه والقراءة عنه، وقد ينتهي الأمر باعتناق الإسلام.
في رأيك.. كيف يمكن استغلال هذا الشهر في تصحيح صورة الإسلام عند الغرب؟
شهر رمضان هو بالفعل فرصة لتحسين صورة الإسلام والمسلمين في الغرب نظرًا لاهتمام الأوروبيين برصد سلوكيات وطقوس المسلمين في أوروبا خلال هذا الشهر، وبالتالي يجب استغلاله في التصدي لحملات التشويه المستمرة من خلال محاور عديدة منها تكوين لوبي إسلامي مع بعض الأجانب المنصفين للدين الإسلامي والحضارة الإسلامية للإسهام في بيان حقيقة الإسلام والتصدي لمحاولات النيل منه.
إضافة إلى السعي لشراء مساحات في وسائل الإعلام الغربية من صحف ومجلات وقنوات تليفزيونية أو ساعات بث على القنوات الفضائية الغربية من أجل الهدف ذاته.. كما يجب إنشاء مواقع جديدة على شبكة الإنترنت للدفاع عن الإسلام، فضلاً عن الاعتناء بإخراج كتب مترجمة للغات الأوروبية لمخاطبة الأوروبيين ودحض كل الشبهات التي يثيرها البعض ضد الإسلام.
ولكن على كاهل من يقع تنفيذ هذه المهام؟
هذه المهام هي فرض عين وفرض كفاية على كل مسلم.. فكل مسلم يجب أن يسعى لبيان صورة الإسلام الحقيقية وفق إمكانياته وقدراته، إلا أن تنفيذ المهام السابق ذكرها يقع بصورة أكبر على من يمتلك الإمكانيات المادية والعلمية لتحقيق ذلك.
أحوال المسلمين في الغرب تزداد سوءًا عامًا بعد آخر.. من وجهة نظرك كيف يمكن أن يكون شهر رمضان نقطة انطلاق لتحسين هذه الأحوال؟
بالطبع هناك مشكلات يعاني منها المسلمون في أوروبا ولا يسعون لإيجاد حلول لها بقدر ما يساهمون في تعقيدها.. وهذه المشكلات قد ترجع إلى الغرب نفسه مثل معاناة المسلمين هناك من البطالة والتمييز العنصري والاضطهاد والفقر، وقد ترجع أيضًا إلى المسلمين أنفسهم الذين يعاب عليهم عدم القدرة على الاندماج في المجتمعات الغربية، إضافة إلى عدم اندماجهم في الإسلام بالمعنى الشامل.
وهذا ما يظهر في تفرقهم شيعًا وفرقًا، فهناك إسلام باكستاني، وآخر مغربي، وهذا سني، وذاك شيعي، الأمر الذي يفرق وحدتهم في التصدي للمشكلات التي تواجههم جميعًا كمسلمين، دون النظر لاختلافاتهم المذهبية، وبالتالي فإن شهر رمضان يمكن اتخاذه نقطة انطلاق لوحدة المسلمين في أوروبا، باعتباره شهرًا يتوحد فيه المسلمون لأداء فريضة واحدة، فما المانع أن يتحدوا أيضًا في العمل على حل مشاكلهم.
هل هذه الاختلافات تنعكس على طقوس وممارسات المسلمين في شهر رمضان في أوروبا؟
هذا شيء مختلف.. فطقوس المسلمين هناك تكاد تكون واحدة بل تشكل وحدة من نوع خاص، حيث يجلس المسلمون في المساجد لتناول الإفطار ويكونون من مختلف الدول الإسلامية أو غيرها، فقد توجد مائدة يتناول عليها الإفطار جنسيات عديدة من مصر والهند وأميركا وبريطانيا والمغرب وهكذا.. أي أن مائدة الإفطار في رمضان يمكن اعتبارها مجلسا لأمة إسلامية مصغرة، وهذا ما لاحظته خلال زيارتي لأكثر من بلد أوروبي خاصة بريطانيا التي أمضيت بها أكثر من 15 عامًا، وكذلك الولايات المتحدة الأميركية التي تجولت في جميع ولاياتها بحكم عملي أستاذا وداعية.
وهل كنت تشعر ـ بصفة شخصية ـ بالحنين إلى رمضان مصر؟
بالطبع فشهر رمضان في مصر يختلف عن أي دولة أخرى حيث إن له مظاهره وطقوسه الخاصة التي لا يمكن أن تجد شبيهها في أي بلد آخر، ورمضان في مصر بالنسبة لي ينقسم إلى مرحلتين، الأولى هي مرحلة الطفولة والشباب عندما كنت أعيش في إحدى القرى القريبة من القاهرة حيث الحياة أقرب للحياة البدائية، ورغم أنه لم تكن في القرية مياه شرب نقية أو كهرباء، فإن الثلاثين يومًا من رمضان كانت تمثل لي ولبقية أهالي القرية عيدًا، كان من أهم مظاهره قيام القادرين من أهل القرية باستحضار شيخ يقرأ القرآن في البيت خلال شهر رمضان.. كما كنا نلهو ونحن أطفال ونلتف حول أفران «الكنافة» لمعرفة كيف تصنع.
المرحلة الثانية كانت مع انتقالي للعيش بالمدينة، وتحديدًا عندما انتقلت من المرحلة الثانوية إلى المرحلة الجامعية، حيث جامعة الأزهر بالقاهرة، حيث ارتبط شهر رمضان بصوت الشيخ محمد رفعت الذي يعد من أهم سمات هذا الشهر حتى الآن.. وارتبط الشهر أيضًا بحلقات الدرس وموائد الرحمن في أماكن كثيرة.
وخلال هذا الشهر كثيرًا ما كنت أذهب عقب الإفطار مع زملائي لحضور المحاضرات والدروس، ثم معارض الكتب التي كانت تقام في هذا الشهر حيث كنت أشتري ما أستطيع شراءه من الكتب التي كانت تباع بأسعار مخفضة، وكنت بحكم مسئوليتي عن اتحاد طلاب جامعة الأزهر أقوم بتنظيم ندوات ومحاضرات في قاعة الإمام محمد عبده وأدعو فيها كبار الشخصيات الدينية.
عايشت رمضان داخل مصر وخارجها.. ما الذي يعيب سلوك المسلمين خلال هذا الشهر داخل المجتمعات الإسلامية؟
هناك أمران يعيبان سلوك المسلمين خلال هذا الشهر.. الأول هو التهافت غير المبرر على شراء المأكل والمشرب والتبذير الشديد على هذا الأمر، رغم أن الله نهانا عن هذا الأمر سواء في رمضان أو غيره لقوله تعالى (ولا تبذر تبذيرا * إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين).. والأمر الثاني هو اعتبار شهر رمضان شهرًا للتكاسل وعدم العمل، وهذا ما يمكن ملاحظته في المؤسسات الحكومية حيث نجد الموظفين يقومون بتعطيل مصالح الناس بدعوى أنهم صائمون، وهذا أمر غير مقبول.
إلى أي مدى أثرت وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة في الخطاب الديني؟
لا يمكن إنكار آثار تطور وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة في الخطاب الديني بشكل ترتب عليه تعدد المنافذ الفكرية، وبالتالي تعدد الآراء والفتاوى، مما أحدث لدى البعض بلبلة واضطرابًا حول عدد من الأمور والمسائل الحياتية، لاسيما أن كثيرًا من أصحاب هذه الفضائيات، خاصة الدينية منها، اهتموا بالشكل وتقنيات الأداء فقط دون النظر لجوهر الرأي أو الفتوى.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
