من ضمن الفعاليات المصاحبة لجائزة القرآن الكريم ألقى الداعية الشيخ محمود المصري محاضرة بعنوان (لحظة صدق) بحضور جمهور غفير من النساء في مقر جمعية النهضة النسائية بدبي.

وأوضح الداعية أنه اختار لحظة الصدق موضوعا للطرح لأنه يمكن لهذه اللحظة أن تغير مجرى حياة الإنسان، فالكثير من الناس حياتهم تقف على لحظة الصدق التي يعيشونها ويسعدون بها فيها الدنيا بالآخرة، والكثير من الناس يتوقف دخولهم للجنة على لحظة الصدق التي يعيشون فيها مع الله تعالى، مؤكدا على أن هذه اللحظة تغير حياة الإنسان من الشقاء إلى السعادة، ومن المعصية إلى الطاعة ومن النار إلى الجنة.

وأشار أنه روى النسائي بسند صحيح أن رجلا قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم، وطلب منه أن يهاجر معه، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج للرجل سهمه، وكان غائبا حين القسمة يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوا إليه سهمه، فأخذه وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال ما هذا يا محمد، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( قسم قسمته لك)، قال ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى ها هنا، وأشار إلى حلقه بسهم فأدخل الجنة، فقال له الرسول:

(إن تصدق الله يصدقك)، فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو، وأصابه سهم حيث أشار، وأتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام أهو هو؟ قالوا نعم، قال صدق الله فصدقه، ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدمه فصلى عليه، ودعى بقوله اللهم هذا عبدك، خرج مجاهدا في سبيلك، فقتل شهيدا، وأنا على ذلك شهيد.

وذكر الداعية أن الكثير من الأشياء في حياة الإنسان تحتاج إلى وقفة صدق مع الله، والشاهد بذلك أن التائبين من الناس وحتى المشاهير من الفنانين الذين يكونون مشغولين بأعمالهم وسفراتهم، أتت توبتهم بعد جلوسهم في لحظة صدق مع الله، والتفكير في حياتهم والهدف منها مع إخلاص النية إلى الله.

وضرب مثالا بأن الشيخ القعنبي كان يوماً جالساً أمام بيته فرأى الناس يتبعون شيخاً، فسأل عنه فقيل له هذا شعبة بن الحجاج، فقال وما شعبة، قيل له يحدث بأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب إليه القعنبي وقال له حدثني فسكت ثم قال له: ما أنت من أصحاب الحديث فأحدثك، فقال له تحدثنني أو لأجرحك بسكيني هذا، فسكت شعبة ثم قال: حدثنا منصور عن ربعي عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم تستح فاصنع ما شئت، فرمى سكينه ورجع إلى منزله فقام إلى جميع ما كان عنده من الشراب فرماه، وقال لأمه، الساعة أصحابي يجيئون فأدخليهم وقدمي الطعام إليهم فإذا أكلوا فخبريهم بما صنعت بالشراب حتى ينصرفوا، ومضى من وقته إلى المدينة فلزم مالك بن أنس فأثر عنه، ثم رجع إلى البصرة ليتتلمذ على يد شعبة والذي توفي قبل وصوله بأيام وما سمع منه غير هذا الحديث.

وأوضح أنه في لحظة صدق الإنسان مع الله يكرمه تعالى بتغيير حياته، ويجب عند دعوة شخص ما للتوبة أخذه بالرحمة واللين في الحديث وعدم الانتقاص من حقه، موضحا أن الحسن البصري كان له جار لا يصلي، فشاهده وهو خارج من منزله فخرج خلفه، فقال له الحسن أيها الرجل أنى أرى على وجهك نورا هل تأذن لي أن أسير معك، فقال أذنت لك، فمشى برفقته الحسن البصرى، وأثناء سيرهم مرت جنازة، فقال له الحسن لما رأى الجنازة، يا هذا أرأيت لو أن الله أحيا هذا الميت الآن فعاد إلى الدنيا فيا ترى ماذا سيصنع، فقال له لو عاد إلى الدنيا والله لكان أكثر الناس صلاة وصياما وحجا وصلة للرحم، وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر وكذا وكذا، فقال له الحسن البصرى فليكن هو أنت، وقد أحياك الله تعالى الآن فاصنع ما قلت، فتاب الرجل وعاد إلى الله.

ودعا المصري الحضور إلى تدارك الوقت والتوبة إلى الله، فالإنسان لا يعلم متى يقبض الله روحه، فالإنسان في هذه الدنيا في اختبار وامتحان، ولابد أن يكون جاهزا للقاء ربه بالتوبة والعمل الصالح، لأنه لا يعلم إلى متى سيعيش في هذه الدنيا الفانية، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقائه، وذكر قصة رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة يا رسول الله؟ قال (ما أعددت لها)، قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال (أنت مع من أحببت فقال أنس بن مالك فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أنس فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم.

وأكد الداعية أن باب التوبة مفتوح، وأن الله يفرح بتوبة عبده ويغفر له جميع ذنوبه، وذكر أن روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله تبارك وتعالى في حديث قدسي، (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة).

ودعى المصري الحضور إلى التقرب إلى الله بالطاعات والبحث عن مفاتيح الجنة، بالعطاء وكثرة الصدقات والتوبة في اللحظة نفسها عند ارتكاب المعصية، بإتباع السيئة الحسنة تمحوها.

دبي ـ سامية الحمودي