إن الأمة الإسلامية قد استقبلت موسما عظيما من مواسم الدار الآخرة يتاجرون فيه التجارة الرابحة لا تجارة المال ولا تجارة الأسهم التي تزيد رصيدك من المال الزائل في الدنيا ولكنها التجارة الحقيقية التي قصر فيها الكثير من المسلمين والمسلمات في هذه الأيام، وهي التجارة مع الله بالأعمال الصالحة، إنه أعظم الشهور عند الله، إنه شهر رمضان، إنه شهر الصيام والقيام، إنه شهر التهجد وقراءة القرآن، إنه شهر فرض الله علينا صيامه، فهو فرض على كل مسلم ومسلمة، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وقال جل في علاه: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((بُني الإسلام على خمس: وذكر منها صوم رمضان) رواه البخاري، ومن أفطر في رمضان ولو يوما واحدا بغير عذر فقد أتى كبيرة عظيمة.

الوقفة الأولى: سرعة مضي الأعمار، فما أشبه الليلة بالبارحة، فالأيام تمر مر السحاب كأنها ثواني ولحظات، فقد استقبلنا رمضان في العام الماضي ثم ودعناه، و ما هي إلا فترة من الزمن قليلة إذ بنا نستقبل رمضان مرة أخرى، عام كامل. .. عام كامل. .. بأيامه ولياليه قد قوض خيامه وطوى بساطه وشد رحاله، مر علينا وكأنها شربة ماء أو طيف خيال بما قدمنا فيه من خير أو شر، فالله يقلب الليل والنهار، وهما يتعاقبان علينا ويطلب بعضهما بعضا طلبا حثيثا كما قال تعالى: (يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين). و صدق الله حيث يقول: (وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء).

وإن سرعة مضي الأيام والليالي ليدلنا على قرب الساعة وأننا في آخر الزمان، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار). رواه أحمد والترمذي.

الوقفة الثانية: إدراك شهر رمضان من أعظم النعم، فلو نظرنا حولنا لوجدنا أن بعضا ممن أدرك رمضان الماضي لا يستطيع أن يدركه هذا العام، لأن التراب قد واراه وأصبح القبر مثواه، ونحمد الله أن أحيانا لندرك هذا الشهر الكريم، ولكننا والله... لا نعلم هل سنكمل هذا الشهر كله أو نصفه أو أقل من ذلك؟ لأن الأعمار والأنفس كلها بيد الله، وإذا كتب الله لنا أن ندركه كله، قد يكون هذا آخر رمضان يمر علينا في حياتنا، فمن استشعر هذا الأمر استعد لما بعد الموت وذلك باستغلال هذا الشهر العظيم وقيامه، فبلوغ شهر رمضان و صيام أيامه وقيام لياليه، نعمة عظيمة وفضل كبير على من يسره الله له.

عادل المرزوقي