شهر رمضان ليس كمثله من شهور العام يمر على المسلمين مرور الكرام.. بل هو شهر الصوم والقرآن اللذين يعتبران جناحي المسلم في التقرب إلى الله، وابتغاء وجهه، وهما أيضاً شفيعاه يوم القيامة.. وإذا كانت قراءة القرآن في هذا الشهر الكريم تمثل هذه الأهمية القصوى للصائم فمن الضروري إتباع آدابها لتحقيق الهدف المبتغى منها، وهو ابتغاء مرضاة الله تعالى.

أفضل الشهور

حول هذه الآداب، يقول د.مصطفى الشكعة، عضو مجمع البحوث الإسلامية سابقا: شهر رمضان من أفضل شهور العام؛ لأن الله سبحانه وتعالى اختصه بأن جعل صيامه فريضة، وركنا رابعا من أركان الإسلام لقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس.. شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا».

عضو مجمع البحوث الإسلامية يشير إلى أن الله سبحانه وتعالى فرض على عباده الصوم في شهر رمضان، وسنّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قيام لياليه، لأن فيها ليلة عظيمة خير من عبادة ألف شهر.. مشيرا إلى أن ثواب هذا الشهر العظيم لن يناله إلا من يعبد الله ويتقرب إليه من خلال العبادات المختلفة.. موضحا أنه إذا كان شهر رمضان هو الشهر الذي نزل فيه القرآن، فإن القرآن يعد أهم وسيلة وأسرعها للتقرب إليه سبحانه وتعالى؛ ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به».

يضيف الشكعة: هناك آداب يجب اتباعها عند قراءة القرآن، لاسيما في شهر رمضان، مثل إخلاص النية لله تعالى بأن يقصد القارئ ثواب الله ورضاه وأن يكون مستقبلا القبلة، وأن يبدأ قراءته ب«أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون»، وعند فراغه يقول: «اللهم انفعنا به وبارك لنا فيه. الحمد لله رب العالمين وأستغفر الله الحي القيوم».

يشير د.أبو سريع عبدالهادي، أستاذ الشريعة بجامعة القاهرة، إلى وجوب الصيام مع القرآن كوسيلتين مهمتين في التوبة إلى الله.

إن قراءة القرآن ببطء وتدبر، كما يقول أستاذ الشريعة، من أهم آدابه؛ حيث يكون سهل الفهم، يقول الله تعالى {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}.

ويضيف أن لقراءة القرآن ثلاث مراتب أو طرق، الأولى وهي التنزيل، حيث القراءة بتؤدة وطمأنينة، مع مراعاة تدبر المعاني، ومراعاة أحكام التجويد، وهذه المرتبة من أفضل مراتب قراءة القرآن، وهناك مرتبة التدوير حيث القراءة بحالة متوسطة بين السرعة والاطمئنان مع مراعاة الأحكام، وهذه المرتبة تعد الثانية من حيث الأفضلية.. وهناك المرتبة الثالثة وهي الحذر، حيث القراءة السريعة مع المحافظة على أحكام التجويد، وكل هذه المراتب صحيحة في القراءة.

«إن رمضان ليس شهراً عادياً، وإنما هو بحر من الحسنات التي يجب على المسلم أن ينهل منها لينال رضا الله».. هكذا يؤكد د.عبدالله ربيع، الأستاذ بكلية الدراسات العربية جامعة الأزهر.. مشيرا إلى قول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة في شهر رمضان صُفِّدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عُتقاء من النار وذلك كل ليلة».

ثواب عظيم

ومن هذا المنطلق ـ كما يضيف ربيع ـ يجب على المسلم قراءة أكبر قدر من القرآن الكريم خلال هذا الشهر؛ لينال الثواب العظيم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه»، وقوله أيضاً: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.. لا أقول «ألم» حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف».

إضافة إلى الآراء السابقة، يؤكد الشيخ فرحات المنجي، أحد علماء الدين البارزين، أن قراءة القرآن تصعد بصاحبها في درج الجنة على قدر ما يقرأ؛ فكلما قرأ آية صعد بها درجة، وهذا ما أكده الرسول، صلى الله عليه وسلم، بقوله: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران».

إذا كان الأمر كذلك في الشهور العادية، والكلام للمنجي، فما بالنا بشهر رمضان الذي قال عنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه».

آداب القراءة

هناك بعض الآداب التي يجب على قارئ القرآن اتباعها أهمها «الطهارة» بمعنى أن يكون طاهر البدن والثوب والمكان من الحدث والنجس؛ فبالنسبة للحدث إن كان صغيراً جازت له القراءة من الذاكرة، وعدم مس المصحف، أما في حالة النجس الأكبر وهي «الجنابة» فلا يجوز لصاحبها القراءة من الأساس.

ويوضح المفكر الإسلامي أنه من المستحسن أن يتبع قارئ القرآن أسلوب الترتيل في القراءة، لأن فيه تدبراً وتفكراً، وهذا لن يتأتى إلا من خلال المداومة على القراءة، وتفخيم المفخم، ومد الممدود، وإدغام المدغم، وإخفاء المخفي، وإخراج الحروف من مخارجها، وعدم الخلط بينها، وكل ذلك دون تكلف أو تمطيط.

د.عبدالله النجار، أستاذ الشريعة الإسلامية، يرى أن الناس مع قراءة القرآن مقسمون إلى أربعة أنواع من حيث القراءة والعمل؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيب ولا ريح فيها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها».

إن قراءة القرآن تعود على صاحبها بالثواب العظيم حيث تحفه وتغشاه الملائكة لصوته؛ فقد روى البخاري عن حديث أسيد بن حضير، قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس فسكت، فسكنت؛ فقرأ فجالت الفرس فسكت، وسكنت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبا منه فأشفق أن تصيبه، فلما أصبح حدث الرسول، صلى الله عليه وسلم، فقال له: «اقرأ يا بن الحضير.. اقرأ يا بن الحضير، قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبا فرفعت رأسي وانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح؛ فخرجت حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟، قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم».

ويضيف النجار: يُستحب أثناء قراءة القرآن البكاء لقوله صلى الله عليه وسلم: «اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا»، كما يُستحب أيضاً التدبر في آيات القرآن لقوله تعالى {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب}.

ومن آداب قراءة القرآن أيضاً ـ كما يقول النجار ـ تحسين الصوت؛ فعن أبي هريرة «رضي الله عنه» أنه سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «ما أذن الله بشيء كإذنه لنبي حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن ويجهر به»، ومن الآداب أيضاً السجود عند المرور على آيات السجود.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية