(ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا) الكهف 49.

يقول الحافظ ابن كثير: (وقوله تعالى ووضع الكتاب «أي كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير والفتيل والقطمير والصغير والكبير» فترى المجرمين مشفقين مما فيه «أي من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة ويقولون يا ويلتنا أي يا حسرتنا وويلنا على ما فرط في أعمارنا» ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها «أي لا يترك ذنباً صغيراً ولا كبيراً ولا عملاً وإن صغر إلا أحصاها أي ضبطها وحفظها..)

قال القرطبي: (ولا يظلم ربك: أي لا يأخذ أحداً بجرم أحد ولا يأخذه بما لم يعمله؛ قاله الضحاك. وقيل: لا ينقص طائعاً من ثوابه ولا يزيد عاصياً في عقابه..).

إن ربنا حكم عدل حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرما فلا يظلم مثقال ذره وان تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً فالمؤمن عنده لا يخاف ظلما ولا هضما..

لا يضل ربي ولا ينسى ولا يضيع ربي عمل عامل من ذكر أو أنثى.. من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون.. هل نحتاج إلى بيان أبلغ في تحريم الظلم من قول رب العزة تباركت أسماؤه في الحديث القدسي (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا..) رواه مسلم.

إن الشرك وهو أعظم الذنوب والمعاصي نوع من أنواع الظلم إذ ورد في القرآن الكريم على لسان لقمان عليه السلام (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) لقمان 13. وقال تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير) (سورة فاطر: 32)

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) (رواه البخاري ومسلم).

وفي الحديث: (اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) (رواه مسلم). أما الظلم فهو وضع الشيء في غير محله باتفاق أئمة اللغة وهو أيضاً عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل وفيه نوع من الجور؛ إذ هو انحراف عن العدل...

فإذا جعل النور كالظلمة والمحسن كالمسيء والمسلم كالمجرم كان هذا ظلماً وحكماً سيئاً يقدس وينزه عنه سبحانه وتعالى وقد قال تباركت أسماؤه: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) المائدة: 50 قال تعالى: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا) سورة الكهف: 59، وقال سبحانه: (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ) (سورة الزخرف:76).

وقال: (والله لا يحب الظالمين ) (سورة آل عمران:57)، وقال: (ولا يظلم ربك أحداً) (سورة الكهف:49)، وقال: (وما ربك بظلام للعبيد) (سورة فصلت:46)، وقال: (ألا إن الظالمين في عذاب مقيم) (سورة الشورى:45).