مع أول أيام رمضان يبحث المسلمون في شتى بقاع الأرض عن كل غالٍ وثمين من الروحانيات، وبشكل خاص قراءة القرآن والصلاة في أوقاتها والإكثار من الدعاء بصورة أكبر مما هو سائد عن الأشهر الأخرى.. لكن التساؤل الذي يفرض نفسه: ما هو الاستقبال الأمثل لرمضان؟ بمعنى آخر ما برنامج عملنا كمسلمين لتحقيق الاستفادة القصوى من هذا الشهر الكريم؟.

د.محمود يوسف كريت، رئيس قسم الثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، يقول: «يتميز شهر رمضان بفضائله عن سائر الأشهر الأخرى، فهو شهر الصبر والجهاد والتوبة والفوز بعظيم الثواب حيث تكون أبواب الرحمة مفتوحة، وتكون الشياطين مسلسلة..

وقد كان الرسول، صلى الله عليه وسلم، إذا دخل شهر رجب دعا الله أن يبلغه شهر رمضان؛ فيقول: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان»، وذلك حباً لهذا الشهر الكريم». وكان من هديه أيضاً صلى الله عليه وسلم أن يستقبل كل شهر إذا رأى الهلال بالدعاء والتوجه إلى الله.

وكان يقول: «اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله»، ومن دعائه كذلك إذا رأى الهلال أن يقول: «هلال خير ورشد.. هلال خير ورشد.. آمنت بالله الذي خلقك» ثلاث مرات»، و«الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا ويذكره، وأتى بشهر كذا ويذكره».

إن المسلم عليه أن يستقبل شهر رمضان، والكلام لأستاذ الثقافة الإسلامية، بالتوبة النصوح، وترك المحرمات والعودة إلى الله سبحانه وتعالى؛ كما يجب عليه الإقلاع عن المعاصي في كل وقت وحين؛ لاسيما في شهر الرحمة والغفران والعتق من النار؛ لافتا إلى أنه من غير المقبول أن يأتي شهر رمضان، ويدخل فيه المسلم ويخرج منه دون أن يتقرب إلى الله..

وفي هذا الإطار يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد». إن التقوى هي الحكمة الأساسية من فريضة الصيام؛ فالله تعالى يقول {.. كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}، وهذا يعني أن المسلم في استقباله لشهر رمضان يجب أن يكون مهيئا تماماً للتوبة والعودة إلى الله.. هذا ما يؤكده د.أحمد الشحات، أستاذ الحديث، لكنه يؤكد أن هذا لن يتأتى إلا بتهيئة المسلم نفسه روحانياً لأداء عدد من العبادات مثل المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد.

وكذلك الحرص على الصف الأول، وشهود الأذان، وتكبيرة الإحرام مع الإمام، إضافة إلى قيام الليل إيماناً واحتساباً مع التدبر والخشوع والمحافظة على السنة مع المداومة على صلاة التراويح وصلاة الشفع والوتر.

استعداد

أشار الشحات إلى أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان عندما يهل شهر رمضان يقول لأصحابه: «أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك فرض الله عليكم صيامه، وسننت لكم قيامه، من تطوع فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ... إلخ».

وهذا الحديث ـ كما يضيف الشحات ـ يؤكد أن شهر رمضان يجب أن يستفيد منه المسلم بشكل يقربه إلى الله، ويبعده عن الشيطان، وهذا لن يتحقق إلا بفعل الخير من الأعمال، وترك شرها حتى يفوز بالجنة، فعن علي «رضي الله عنه»، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة غرفاً يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها؛ قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن طيب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام». «الدعاء هو أفضل ما يستقبل به المسلم شهر رمضان»..

هكذا يشير د.أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن.. موضحاً أن المسلم إذا قرب شهر رمضان عليه أن يدعو الله أن يبلغه هذا الشهر وهو في صحة وعافية، وقد كان السلف الصالح يدعون الله أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه أن يتقبل منهم، وكانوا يقولون: «الله أكبر اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى ربي وربك الله».. كريمة يرى أن على المسلم أيضاً أن يفرح ويبتهج بمجيء هذا الشهر الكريم، وقد ثبت أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يبشر أصحابه بمجيء رمضان فيقول: «جاءكم شهر رمضان، شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب الدعاء».

ويشير إلى أن المسلمين في استقبالهم لشهر القرآن عليهم أن يقوموا بالعمل على تطبيق ما ينادي به الرسول، صلى الله عليه وسلم، من أن المسلمين مثل الجسد الواحد حيث يقول: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، مؤكداً أن هذا الحديث توجيه للمسلمين بأن يكون حالهم مثل الجسد الواحد الذي يتفاعل كله مع أي ألم يحل بجزء منه، وبالتالي فإن استعداداتنا الرمضانية يجب أن تتضمن العمل على إحياء هذه الصورة من خلال وقوف المسلمين مع إخوانهم، وشعورهم بأحوالهم، ومواساتهم، وتخفيف معاناتهم، ونصرة المستضعفين منهم، وعدم خذلانهم.

أعمال مميزة

د.منيع عبدالحليم، عميد كلية أصول الدين الأسبق بجامعة الأزهر، يقول: «إن هناك بعض الأعمال التي يجب أن يقوم بها المسلم استعداداً لشهر رمضان؛ حتى يفوز بثوابه مثل التهيئة النفسية والروحية من خلال القراءة والاطلاع على الكتب والرسائل وسماع الأشرطة الإسلامية من المحاضرات والدروس، التي تبين فضائل الصوم وأحكامه حتى تهيئ النفس للطاعة في هذا الشهر؛ كما يجب الإعداد الجيد للدعوة إلى الله في شهر رمضان من خلال توزيع الكتيبات والرسائل الوعظية والفقهية المتعلقة برمضان على المصلين وأهل المنطقة التي يسكن بها؛ بجانب التذكير بالفقراء والمساكين وبذل الصدقات والزكاة لهم».

على المسلم أيضاً، كما يضيف منيع، أن يؤهل نفسه للقيام بعدد من أعمال الخير خلال شهر رمضان، مثل التبرع بإفطار صائم أو أكثر كل يوم مع تقديم صدقة لمسكين، أو محتاج، وعيادة المرضى، وتشييع الجنازات؛ لما فيها من ثواب عظيم، إضافة إلى قراءة جزء من القرآن على الأقل يومياً.

في رأى د. أبو سريع عبدالهادي، أستاذ الشريعة، فإن على المسلمين الذين أساءوا لأنفسهم ولغيرهم وأفرطوا في ذلك ألا ييأسوا من رحمة الله والتوبة إليه، خاصة في هذا الشهر الكريم حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها»؛ لذا يجب أن يستقبل المسلم شهر رمضان بتوبة نصوح يقلع خلالها عن ذنوبه، ويندم عليها، ويصر على عدم العودة إليها.

إن المسلم، كما يقول عبدالهادي، يجب أن يؤهل نفسه لأداء بعض الأمور في شهر رمضان؛ لتحقيق الفائدة منه، وهي التقرب من الله بقيام الليل وقراءة ما تيسر من القرآن والسنة النبوية؛ كما يجب عليه التبكير لصلاة الجماعة، مع القيام بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فضلاً عن أداء عمرة في هذا الشهر، متى أمكن ذلك؛ حيث إن عمرة رمضان تعدل حجة مع النبي، صلى الله عليه وسلم.

أستاذ العقيدة والفلسفة د. فايز خاطر يرى من جانب آخر أن خير استقبال لشهر رمضان هو عزم المسلم على الابتعاد عن البدع والمخالفات الكثيرة، التي يمارسها الناس خلال هذا الشهر والتي تضيع فضله وثوابه..

ومن هذه البدع ما يفعله العامة من رفع الأيدي إلى الهلال عند رؤيته، حيث يستقبلونه بالدعاء قائلين: «هل هلالك جل جلالك شهر مبارك»، ونحو ذلك مما لم يعرف في الشرع، بل كان من عمل الجاهلية .. فالمعروف عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، إذا رأى الهلال قال: «اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله».