بدأت تتصرف بطريقة عصبية بشكل واضح فأي شيء مهما كان بسيطاً يثيرها ويجعلها متوترة مما تسبب في توتر البيت بكامله، حتى ابنتها الصغيرة التي ليس لها غيرها أصبحت تخاف من توترها وصراخها في وجهها.

ليلة عيد الميلاد

كانت المرأة وزوجها وخادمتهما يستعدون لهذه المناسبة وهي عيد ميلاد ابنتهم. ومن أجل هذه المناسبة العزيز تم وضع «لمبات» إنارة على سور الفيلا وعلى أشجار الحديقة وعلى كل زاوية داخل وخارج غرف الفيلا الكثيرة.

كانت مناسبة جميلة دُعي إليها الكثير من الأقارب وصديقات الزوجة اللواتي يعملن معها في أحد البنوك حتى تحول عيد ميلاد الطفلة وكأنه حفل زفاف لإحدى الأميرات. كانت الهدايا كثيرة وباقات الورد أكثر وكانت طاولات العشاء موزعة حول حمام السباحة الكبير الذي يتوسط حديقة الفيلا.

كان زوج السيدة واقفاً أمام البوفيه فأخذ هو وقريب له بعض الطعام وبدآ يأكلان، وهنا شاهدتهما السيدة التي اقتربت من زوجها وأنّبته على فعلته هذه قائلة لا يجوز أن تأكل قبل أن أفتتح البوفيه وقبل أن نطفئ الشمع، فرد عليها الزوج بأن هذه الشكليات غير ضرورية وأنه يشعر هو وقريبه بالجوع، فما كان من السيدة إلا أن أمسكت ببعض الأطباق ورمتها على الأرض مما أحدث صوتاً لفت إليه الحضور.

حاول الزوج أن يحتوي الموقف وأن يبدأ بالضحك قائلاً أنا آسف لقد وقعت الأطباق من يدي وأرجو أن تستمروا في الاحتفال.

كان الجو قد أصبح متوتراً بين الرجل وزوجته فما كان يجدر بها أن تحرجه أمام قريبه ثم أنه لم يرتكب جريمة كونه تناول بضع ملاعق من الأرز ليأكلها وهو جائع.

كانت السيدة لا تزال متوترة لذا حاول زوجها تهدئتها بأن أعطاها بعض الحبوب المهدئة طالباً منها أن تسامحه إن كان تصرف بطريقة أزعجتها.

في أثناء إطفاء الشموع لم تستطع الصغيرة إطفاءها مرة واحدة فما كان من أمها إلا أن وبختها على عدم قدرتها هذه مما جعل الطفلة تبدأ في البكاء.

أخذ الرجل ابنته محاولاً إرضائها قائلاً لها إن والدتها متعبة بسبب تحضيرها للحفلة، لكن تصرفات السيدة هذه أثارت حنق الضيوف حتى أن عدداً منهم انسحب من الحفل قبل تناول العشاء.

اقترب الرجل من زوجته طالباً منها أن تكون أكثر لطفاً مع صديقاتها إلا أنها صرخت في وجهه وأمام المدعوين قائلة إن هذا لا يعنيك.

انتهت الحفلة على أسوأ ما يكون لذا بعد أن انصرف الضيوف وقعت مشادة كبيرة بين الرجل وزوجته كانت أم الزوجة ووالدها يقفان إلى جانب الرجل مما دفع بالسيدة لأن تطلب من والدها ووالدتها أن يغادرا الفيلا فوراً لأن وجودهما لم يعد يُطاق.

اجتماع عائلي

في اليوم التالي ذهب الزوج إلى بيت حماه وحماته حيث أخبرهما بأن تصرفات زوجته في الليلة الماضية ليست جديدة وأنها منذ فترة وهي تتصرف معه بعصبية حتى أنها في كثير من الأحيان تقوم بشتمه وأنه يتحمل ذلك لأنه يحبها ولا يريد أن يخسرها، لذا اقترح أن يقنعاها أن تذهب إلى إحدى المصحات أو إلى طبيب نفسي ليعرف سبب عصبيتها.

ذهبت الأم لإقناع ابنتها أن تذهب إلى طبيب نفسي لمعرفة سبب عصبيتها وتغير مزاجها إلا أن السيدة رفضت ذلك قائلةً إنها في حالة جيدة ولا تحتاج إلى أي علاج.

حاولت والدتها إقناعها بأن تصرفاتها الأخيرة غير مبررة خاصة ليلة عيد ميلاد ابنتها وأن الجميع لاحظوا أن تصرفاتها غير طبيعية.

من جانبه كان الرجل يتودّد إلى زوجته ويحاول إقناعها بأنه من الضروري أن تذهب إلى طبيب أمراض نفسية فالعلاج النفسي لم يعد عيباً كما كان في السابق، إلا أن السيدة كانت ترفض ذلك بشدة. أصبح الجميع مقتنعاً بأنه من الضروري عرض السيدة على طبيب نفسي مهما كانت النتائج. وأخيراً جاءت اللحظة التي كانت بمثابة ناقوس الخطر، فقد أقام البنك كالعادة حفلة بمناسبة انتهاء السنة المالية وبداية سنة مالية جديدة، وكان جميع الموظفين مدعوين إلى الحفلة وان من حق كل موظف أن يحضر زوجته وكل سيدة أن تحضر زوجها إلى الحفلة.

حفلة البنك بدأت بالترحيب بالضيوف والإشادة بجميع الموظفين وبجهودهم التي كانت السبب وراء تلك الأرباح الكبيرة التي حققها البنك، ثم جاء وقت العشاء، في أثناء الوقوف أمام البوفيه سمع الجميع صوتاً عالياً كان مصدره السيدة التي اتهمت أحد الموظفين بأنه تعمّد لمس يدها في أثناء تناولهما أحد الأطباق، هنا تدخل زوج السيدة الذي شتم الرجل الآخر وهدّده بسكين كانت في يده.

تحوّلت الحفلة إلى هرج ومرج، وأخيراً أخذ الرجل زوجته وانصرف، في أثناء رجوعهما إلى البيت وقعت مشادة كبيرة بين الرجل وزوجته متهماً إيّاها بأنها بالغت في ردة فعلها خاصة وأن الرجل الذي اتهمته بأنه تعمّد لمس يدها كان رجلاً كبيراً في السن ولا تبدو عليه علامات الشقاء والتصرفات غير الطبيعية.

السفر إلى لندن

في اليوم الثاني لتلك الحادثة ذهب الرجل إلى بيت والد زوجته حيث قصّ عليهم ما حدث في الليلة الماضية في أثناء حفلة البنك وطلب منه إقناع ابنته بالذهاب إلى طبيب أعصاب أو طبيب نفسي لعلاجها من الحالة التي هي فيها.

بدأت السيدة تقتنع بأنه عليها استشارة طبيب نفسي لكنها فضلت الذهاب إلى لندن فهناك لا يعرفها أحد وفعلاً ذهبت معها والدتها في رحلة العلاج هذه.

بدأت السيدة تتردّد على إحدى العيادات النفسية وبعد كشف على الأعصاب والدماغ قرّر الطبيب بأنها بحاجة إلى راحة تامة والتوقف عن الدواء الذي تأخذه لأنه لم يعد مناسباً لها. قالت السيدة إنها لا تأخذ دواءً باستمرار وإنما تأخذ بعض الحبوب المهدئة عندما تشعر بالتوتر أو التعب وأنها أخذتها بسبب حالتها النفسية السيئة عندما كانت ابنتها مريضة فقد خافت عليها حتى إن حالتها النفسية ساءت للغاية مما اضطرها إلى أخذ تلك الحبوب بعد أن وصفها لها الطبيب الذي يعمل في المستشفى الذي كانت ابنتها تتعالج فيه.

قال لها الطبيب في لندن ما اسم هذه الحبوب، فقالت إنها لا تدري لأن زوجها هو الذي يشتريها لها.

تم الاتصال بالزوج الذي قال إنه لا يعرف أين وضع الوصفة الطبية وإنه لا يتذكر اسم تلك الحبوب، وأخيراً تم الاتصال بالمستشفى وإعطائه رقم البطاقة الصحية للسيدة ومن خلال رقم البطاقة تم التعرف على نوع الحبوب التي كانت السيدة تأخذها.

عندما عرض الطبيب في لندن على السيدة تلك الحبوب قالت له إنها هي نفس الحبوب التي تأخذها، وإنها كانت تأخذ حبتين منها. استغرب الطبيب من ذلك وقال لها هل الطبيب في بلادك طلب منك أن تأخذي حبتين مرة واحدة، قالت لا بل كان قد طلب مني عندما كنت في حالة نفسية سيئة بسبب مرض ابنتي أن آخذ نصف حبة عند الضرورة القصوى.

وصف الطبيب للسيدة علاجاً آخر وهو الابتعاد كلياً عن تلك الحبوب، وعندها ستعود إلى حياتها الطبيعية، أحبت السيدة ألا تغادر لندن قبل أن تتأكد من هذه الوصفة حيث عاشت 18 يوماً في بلاد الضباب كانت خلالها تتصرف بشكل طبيعي جداً.

أحسّت السيدة بأن زوجها كان يخدعها عندما كان يعطيها حبتين من هذه الحبوب وفي أحيان كان يجبرها على أن تأخذ ثلاث حبات كما كان يطلب منها أخذ أربع حبات إلا أنها كانت ترفض.

بدأت السيدة تستعيد الأحداث الماضية حيث تبيّن لها أنها كانت تتصرف بطريقة عصبية جداً عندما كانت تأخذ الحبوب.

الزوج أمام ضابط التحقيق

عندما عادت السيدة من لندن كانت تحمل بعض التقارير الطبية عن حالتها وعن تأثير الحبوب عليها، كان من أهم تلك التقارير تقرير وضعته أمام الضابط، والذي يفيد بأن أي زيادة في تناول تلك الحبوب يؤدي إلى زيادة في إفراز هرمون «السيروتونين» وبالتالي زيادة الانفعالات بحيث يصبح من الصعب السيطرة على حالة الغضب والهيجان التي تصيب الشخص.

ادّعى الزوج أن الصيدلي هو الذي طلب منه أن يعطي السيدة جرعة كبيرة عندما تكون منفعلة، تم استدعاء الصيدلي الذي قال إنه أعطى الدواء وفقاً لوصفة الطبيب وهي نصف حبة عند الضرورة وأن ذلك موجود على الورقة المغلفة بها علبة الدواء، إضافة إلى أن الوصفة موجودة على الكمبيوتر، تم فحص جهاز الكمبيوتر الخاص بالصيدلية كما تم فحص عبوة الدواء التي كانت في بيت السيدة حيث وُجد أن الوصفة تشير إلى تناول نصف حبة من الدواء عند الضرورة.

أصبح الزوج في وضع الاتهام، وطلب منه الضابط تفسيراً للسبب وراء محاولاته إيصال زوجته إلى الجنون، فما كان منه إلا أن قال إن زوجته بخيلة للغاية رغم مرتبها الكبير ورغم الملايين التي حصلت عليها عندما قام والدها بتوزيع الثروة على أبنائه قبل أن يموت حتى لا يتشاجروا عليها.

وأضاف أن زوجته هي التي قامت ببناء الفيلا التي يسكن فيها معها لكنها كانت ترفض إعطائي ما أطلب من الفلوس بحجة أنني أنفقها على السهر مع الأصدقاء.

قال له الضابط وكيف عرفت بسر الدواء وجرعته الزائدة؟ فقال الزوج لقد عرفت ذلك بالصدفة فعندما كتب الطبيب وصفة الدواء قال لي اعطي زوجتك نصف حبة فقط، فقلت له إذا كانت حالتها النفسية سيئة على ابنتنا المريضة هل أعطيها حبة كاملة، عندها ضحك الطبيب وقال لي إن حبة كاملة ستجعلها تفقد أعصابها بدلاً من أن تهدئها، لذا أخذت هذه الجملة من فم الطبيب وبدأت أستفيد منها، حيث كنت استغل أي لحظة غضب لزوجتي وأطلب منها أن تأخذ حبة أو حبتين وكنت أتعمّد إعطاءها ذلك عندما نكون مع أهلها أو في حفلة مثل حفلة ميلاد ابنتنا وحفلة البنك وهكذا كانت زوجتي تظهر أمام الناس وهي تتصرف بعصبية فأصبح الجميع مقتنعا بأنها مريضة عقلياً.

قال له الضابط وماذا كنت تستفيد من ذلك؟ فقال الرجل كنت أريد أن أوصلها إلى الجنون عندها سأكون وصياً على أموالها وأتصرف بها كما أشاء، لكن سفرها إلى لندن أفسد كل شيء.

تم التحفظ على الرجل لعرضه مع ملف القضية على النيابة في الوقت الذي استدعى فيه الضابط السيدة محملها جزءاً من المسؤولية قائلاً لها إنه كان عليها أن تتأكد من الوصفة الطبية الموجودة على زجاجة الدواء الخاص بها، لكن الزوجة قالت إنها لم تكن تتصور أن زوجها كان يريدها أن تصل إلى الجنون بسبب طمعه في أموالها، وأنها عندما أخذت الدواء لأول مرة لم تشك أبداً في إخلاص زوجها ولهذا عندما كان يعطيها الدواء كانت تأخذه منه بدون تردد حتى إنها كانت لا تعرف أين زجاجة الدواء ولا تعرف أن الدواء انتهى أم لا، حيث كان زوجها يتولى شراء الدواء وإعطاءه لها.

في اليوم الثاني كان الزوج يقف أمام القاضي بتهمة استغلال ثقة زوجته وإيقاع الأذى بها، في حين كانت الزوجة تقف أمام قاضٍ آخر تعرض عليه المستندات طالبة الطلاق.

انفعال إلى درجة الجنون

طلب الضابط من أحد المستشارين الأطباء في المختبر الجنائي دراسة تلك الحبوب وتقديم تقرير عن زيادة تعاطيها وأثر ذلك على هرمون «السيروتونين» حيث أشار التقرير الذي قدمه المختبر الجنائي إلى أن زيادة الجرعة من هذه الحبوب تؤدي إلى زيادة الانفعال لدرجة أن الإنسان قد يصل إلى درجة الجنون والاعتداء على الآخرين وإن كان وحده فإنه قد يلجأ إلى الانتحار.

لم ينكر الزوج أنه كان يعطي زوجته تلك الحبوب عندما كانت تنفعل خاصة وأن درجة انفعالها في الفترة الأخيرة كانت تكرر وبشكل يومي.

مضيفاً أن الطبيب هو الذي وصف الدواء لزوجته، تم استدعاء الطبيب الذي أظهر من خلال الكمبيوتر أنه وصف للسيدة نصف حبة عند الضرورة، وأن وصفته صحيحة وأنه لم يصف حبتين أو ثلاث أو أربع حبات في الجرعة الواحدة، لأن ذلك سيؤدي إلى حالة من الهيجان للشخص وردود فعل عنيفة جداً.

4 حبات مرة واحدة

عندما طلبت السيدة من زوجها أن يذهب معها إلى الحفلة التي سيقيمها البنك اعتذر عن ذلك قائلاً إنها قد تتصرف بطريقة تحرجه، لكنها طلبت منه بشدة حضور تلك الحفلة معها، فليس من اللائق أن تذهب وحدها والأخريات من الموظفات وزميلاتها في العمل كل واحدة معها زوجها.

أخيراً وافق الرجل على الذهاب مع زوجته إلى الحفلة بشرط أن تأخذ أربع حبات مهدئة، لكن السيدة أفهمت زوجها بأنها ليس بحاجة إلى ذلك، فهي إنسانة طبيعية وتتصرف بشكل طبيعي فلماذا هذه الحبوب؟.

قال لها زوجها هذا هو شرطي الوحيد لأذهب معك، وفعلاً أخذت المرأة حبتين قائلة لزوجها بأنها لا تستطيع تحمل أربع حبات مرة واحدة.

إعداد ـ أحمد سلطان