تقابلنا سوياً بعد فترة غياب، وعندما سألته عن حاله، وجدته غاضباً ناقماً على ما هو فيه، غير راض بما قسم الله له، يريد سيارة فارهة يذهب بها إلى العمل.. ولماذا فلان عنده؟ وأخذ يعدد ويندب حظه، ولماذا لا يكون عنده مثله، فقلت له: على رسلك يا أخي، لماذا كل هذا الحقد؟ ولماذا تنظر نظرة حسد لما في أيدي الآخرين؟

أين الإيمان الذي يعصمك مما أنت فيه، ارض يا أخي بما قسم الله لك تكن من أغنى الناس، والذي لم تحققه الآن قد يأتي في وقت وتحققه بالعزيمة والصبر والعمل الجاد، ولا تنظر إلى من هم فوقك، بل انظر إلى من هم دونك، وعندها سترى أنك في نعم كثيرة يحسدك عليها من عنده وسائل الرفاهية، فأنت والحمد لله تتمتع بصحة جيدة.

وأولادك بخير وموفقين ومتفوقين في المدرسة، فاحمد الله وكن دائماً مع الله، وعندها ستكون من الرابحين.

روي عن أبن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كنّ فيه أواه الله في كنفه» (أي أحاطه سبحانه وتعالى بسياج رعايته وأعانه وأكرمه إذا اتصف بالحلم والأناة وإزالة أسباب الغضب من نفسه) آواه الله في كنفه وستر عليه برحمته وأدخله في محبته: مَنْ إذا أُعْطِي شكر، وإذا قدر غفر، وإذا غضب فتر (أي هدأ وسكت).

وانظر معي إلى وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه والذي يقول فيها: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصال من الخير، أوصاني ألاّ أنظر إلى ما هو فوقي، وأن أنظر إلى ما هو دوني (أي أقل مني مالاً وصحة) وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم، وأوصاني أن أصل رحمي، وإن أدبرت، وأوصاني ألاّ أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق، وإن كان مراً، وأوصاني أن أكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة.

وأعلم أخي أن الحسد شره مستطير، وكان الأولى بك أن تطهّر نفسك من الحقد وترحم نفسك من الضرر الذي يصيبك من هم وغم وقلق يؤثر على صحتك، فكن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس.

واقرأ قول الله تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).

واعلم يا أخي أن كلامي لك ليس دعوة للاستسلام والتخاذل بل العمل العمل، والجد الجد، وسوف يحقق الله لك أمانيك، لكن لا تجعل الدنيا بمباهجها ومفاتنها تسيطر على تفكيرك واعلم أن الله سبحانه وتعالى إذا أحب عبداً حماه من الدنيا. رُوي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل ليحمي عبده المؤمن الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب» (رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد).

ويقول صلوات ربي وسلامه عليه: «إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا ولا باتباع الشهوات، فمن كنز دنيا يريد بها حياة باقية فإن الحياة بيد الله عز وجل ألا وإني لا أكنز ديناراً ولا درهماً ولا أخبئ رزقاً لغد».

المسلم الحكيم هو الذي يراقب وساوس القلب والخواطر التي تتعلق بالدنيا ويخلص في عبادته لربه كي تصفو نفسه وترتقي في مدارج الكمال ويتحلى بالخلق الحسن ولا يترك للشيطان سبيلاً كي يفسد عليه تفكيره ويجعله يضعف أمام المغريات الأمر الارذي يجعل الإنسان يسوء خلقه ويحسد غيره على نعم الله.

قال عطاء: ما ارتفع من تفع إلا بالخلق الحسن، ولم ينل أحد كماله إلا المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، فأقرب الخلق إلى الله عز وجل السالكون آثاره بحسن الخلق.

سُئل سهيل التستري عن حسن الخلق فقال: أدناه الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والشفقة عليه، وقال مرة: أن لا يتهم الحق في الرزق، ويثق به ويسكن إلى الوفاء بما ضمن فيطيعه ولا يعصيه في جميع الأمور فيما بينه وبين الناس.

فعليك أخي المسلم بالقناعة والرضا بما قسم الله لك، يرزقك المولى عز وجل من حيث لا تحتسب.

قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق 2-3].

ومداخل الرزق لا تحصى ومجازيه لا يهتدي إليها، وذلك لأن ظهوره على الأرض وسببه في السماء. قال تعالى:

(وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) [الذاريات 22]

حامد واكد