نستقبل ضيفاً عزيزاً علينا جميعاً تشتاق إليه النفوس وتطمئن به القلوب، يأتي بعد طول غياب، يعيد للقلوب صفائها، وللنفوس إشراقها، وللضمائر نقائها.
إن بلوغ شهر رمضان نعمة كبرى وفضل عظيم من الله عز وجل. فالواجب علينا أن نشكر الله عز وجل على بلوغنا شهر رمضان، وان نستقبل هذا الشهر العظيم بما يليق به، فهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، ولذلك يجب على كل مسلم أن يقف مع نفسه وقفة صادقة ويكون على استعداد لاستقبال هذا الشهر الكريم بنفس راضية وعزيمة صادقة على استغلال هذه الفرصة التي أكرمه الله بها وهي بلوغ شهر رمضان .
ونعاهد الله عز وجل على التوبة الصادقة وفتح صفحة جديدة، فالصوم عبادة روحية وجسدية، فإذا كان الصوم خالصاً لوجه الله تعالى توافرت أركانه وتحققت أهدافه وصام المسلم نهاره وقام ليله ودعا ربه لأن ممن ينطبق عليه حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) بأن رمضان شهر أول رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.
هو الشهر الكريم على الأبواب، فماذا أعددنا له؟.. فالبعض من الناس يستعد له بإعداد أفخر أنواع الطعام والشراب، والبعض من الناس يستعد له بمعرفة أوقات المسلسلات والبرامج والسهرات في التلفزيون، والبعض من الناس يستعد لرمضان بإقامة الخيام لقضاء السهرات على أنغام الموسيقى والغناء وتناول السحور على أصوات المطربين والموسيقى ويدّعون أنها سهرات رمضانية، ورمضان منها بريء.
والبعض الآخر من الناس يستعد للشهر الكريم بإقامة خيام لإفطار الصائمين والقيام بخدمة الصائمين بنفسه وتوزيع الصدقات وزكاة المال على الفقراء والمحتاجين، وبعد ذلك يقوم الليل في المسجد أو في بيته ويدعو ربه ويرجو عفوه وغفرانه. فيا أخي المسلم وأختي المسلمة، مع من ستكون؟ وما هو الاستعداد عندك لاستقبال شهر رمضان الكريم؟!
هل ستكون مع الذين ينامون نهار رمضان ويقومون قبل الإفطار بقليل ويصلون الظهر مع العصر قبل المغرب، وبعد الإفطار يستعدون لقضاء الليل في السهر على المقاهي وأماكن السهرات الرمضانية؟ أم ستكون مع الصف الثاني الذين رضي الله عنهم وانتهزوا الفرصة العظيمة واستقاموا من كرم الله عز وجل وأكثروا من عمل الخير في نهار رمضان والذكر والتسبيح وقراءة القرآن الكريم وقيام الليل في رمضان..
فلكل موسم أيام للحصاد يفرح فيه من زرع المحصول يوم حصاده، وموسم المسلمين في الحصاد هو شهر رمضان الكريم لأنه شهر الخيرات والطاعات والحسنات، فأوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار. فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز «يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون».
فالله عز وجل لم يفرض علينا الصيام من أجل الجوع والعطش حتى يتعذب المسلم، ولكن أمر الصيام هو لامتثال المسلم لأمر الله عز وجل، فالطاعة لله عز وجل تعني العمل لأمر الله واجتناب نواهيه. فالصوم ليس معناه هو الصوم عن الطعام الشراب فقط، فالصائم الحقيقي هو الذي تصوم جوارحه عن الآثام ولسانه عن الفحش والسباب وقول الزور والغيبة والنميمة. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه».
والصائم المقبول صومه عند الله عز وجل هو الذي يقابل الإساءة بالإحسان والفحش بالعفو والتسامح وإن سابه أحد أو شتمه فليقل إني صائم فالأجر الكبير ينتظره عند الله عز وجل فالأجر فيه مضاعف وهنيئاً لمن بلغه الله رمضان، وغفر الله له، فكم من سقيم وسليم وافاه الأجل قبل رمضان وبذلك يكون أمره إلى الله أما من بلغ رمضان واستغل ليله ونهاره في طاعة الله عز وجل فقد ربح في تجارته مع ربه وحصد الحسنات في موسم الخيرات فالصوم لم يُشرَّع لتعذيب النفس والحرمان من الطعام والشراب، إنما شرعه الله عز وجل لتقوية الإرادة وصفاء النفوس وتربية لمشاعر التعود على الإحساس بالمحرومين والمحتاجين حتى يشعر الغني بالفقير.
الصوم يقوّي صلة العبد بربه فيقضي نهاره في نشاط وعمل ويقضي ليله في صلاته وعبادته وتهجده وقيامه لليل في خضوع وتذلل.
يصون لسانه عن اللغو والنميمة ويصون آذانه عن سماع الفحش والباطل، يصون عينه عن الحرام ومواطن الفتنة، فالصوم يكون عن كل ما نهى الله عنه.
أخي المسلم، أختي المسلمة، أتاكم شهر رمضان وهو شهر الخيرات والبركات، هو شهر الجود والكرم والإحسان وفيه تكثر الصدقات ويكثر عمل الخير والذي يدرك قيمة هذا الشهر الكريم عليه أن يسارع من أول يوم ويعقد اتفاقاً بينه وبين نفسه على استغلال هذه الفرصة التي لا يعلم أحد إلا الله هل تتكرر مرة أخرى أم لا.
فيجب على كل مسلم ومسلمة أن يسابق الزمن في تحصيل الحسنات وأن يبادر بالتوبة النصوح وطلب المغفرة والرحمة والعتق من النار. وعلى كل مسلم أن يجاهد نفسه للفوز بمغفرة الله ورحمته وأن يكون شهر رمضان بداية لإصلاح الصلة بين العبد وربه لأن شهر رمضان تفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق فيه أبواب النار وتُصفَّد الشياطين.
يجعلنا الله ممن بلغ شهر الخيرات وفاز بعفو الله وغفرانه.
راية المحرزي
