زمن مضى، لكنه لا يزال يبرق على سطح مرايا ذاكرة تتجمل المشاعر أمامها. كان التحلق حول مائدة الإفطار صورةً تحتفظ بتفاصيل البداهة والاعتياد على الأشياء الباقية. أحاسيس من الحب والحنين هاربة، يصعب اللحاق بها، والسير نحوها يُعد محاولة عبثية.
فقد رحلت إلى غير عودة، أو غابت في الازدحام الضخم. يصدح التكبير في التلفاز إيذاناً بموعد الإفطار، «يجرح» الجميع صيامهم، أما هي فتنتظر أذان مسجد الفريج، فالعلاقة بينهما أكثر تآلفاً، ومواقيته الدقيقة محل ثقة لا يغيبها عطل فني أصاب المذياع أو التلفاز.
بعد التقاط تمرة وارتشاف شربة ماء، لا بد من مباركة تبثها بحنان على مائدة ينشغل أفرادها بتناول ما يفضلون، بصوت وارف يسترق الاهتمام «عادكم الله عليه.. وكل سنة وكل حول يا ربي تعودنا على هالأيام الطيبة..»، يتجاوب الأبناء مع تلك الدعوة مسارعين إلى قطف ثمار البركة أولاً. فتلك دعوة اعتادوا سماعها بفرح يستحق الاحتفاء.
قبل التوغل في طيبات الطعام، تدعو بإلحاح حنون الأبناء والأحفاد لمشاركتها حصتها من الإفطار، تمرر الصحون على عجل حتى تتأكد من وصولها إلى من يجلس في آخر السفرة، تعاود السؤال إن كان لأحدهم حاجة أخرى، تصر أن يتناول الجميع طعامهم. وسط اعتذار البعض وتذمر البعض الآخر من إصرارها اللجوج.. تطلق ضحكتها «العيوز مب من خذها.. من تفكك منها». مبررة حنانها ودلالها المفرط لأحفاد يشغلون حياتها وتملأ وقتها بهم.
أن يعود رمضان، فتلك بركة اعتاد الأهالي تبادل التهنئة بها، وأن يعم الخير على المائدة، فتلك نعمة يقتسمونها مع الجميع، على اختلاف مواقعهم، فتعود الصواني للدوران مجدداً.
خصوصية
للأحاديث المتوارثة خصوصية حميمة، وبساطة بالغة لا يدركها الكثير ممن يتداولون اللهجة، فالأصالة تكمن في التفاصيل التي لا يتقنها الآخرون، حاول الأجداد جاهدين بثها في النشء ممن تداخلت عليهم اللهجات، حتى أضحت لا طعم ولا «مزة» لها. في ما تقول الجدات، وما يلفظه الأجداد من حكايات التقدير، والامتنان،، الدعوات، والنوادر والهمسات الضاحكة قيمة وقدر، تلك التي حملوها على راحة الكلام في مختلف المناسبات، نتهامس اليوم بها على الورق، عل ذلك الحبر ينصف ما تجود به الذاكرة، في غيابهم. هي دعوات بطول العمر والطاعات، مستمدة من الثقافة الإسلامية واللغة العربية، التي تمضي يداً بيد إلى جانب الموروث المحلي.
لعودة المسافر كما لرمضان، دعوات خاصة، استمدت من أصالة اللغة معان كريمة لا يعي مضمونها كُثر، وبشرى العودة السالمة لأهل المسافر تبارك رجوعه... «تستاهلون اللوال»، أي البشرى والخبر الطيب، تتبعها دعوات ممتنةُ بالخير «الله يوّل عليكم بالخير». أما المسافر فيحظى بتهنئة أكثر خصوصية، تشي بالسؤال عن الحال، وتنم عن الاستعداد لتقديم المساعدة فيُقال «المعونة».. ويأتي الرد مصحوباً بدعوة خالصة «عانك الله على طاعته».. فالألسنة كانت رطبة بذكر الله، والدعاء للآخر شكّل جزءاً كبيراً من الموروث اللغوي، الذي جاء معظمه على شكل دعوات مسجوعة لم تخل من الطرافة المحببة، لكنها عميقة.
كانت تلك الجملة تصاحب كل جلسة خياطة منزلية، حيث لا خياط يمكنه ضبط مقاسات الجدة، ولا قصة «ثوبها» المحبب إلى القلب سوى تلك الأدوات المتوارثة و«الجفير» القابع في الزاوية، عندما تقصد حفيدتها لتدخل الخيط في ثقب الإبرة كي تدشن الجلسة، ممنونة لها بفرح الصغار «لا عميت عيونج ولا خاب مظنونج»، جميل. صحة في النظر وظنون لا تخيب.
تلك الآلة اللغوية تعمل على مدار الساعة، وفي كل موقف ترتجل جمالية أخرى، لا تستثني أحداً، وعندما يُلقى السلام، هناك رد مختلف، وخاص، للمقربين فقط من الأبناء والأحفاد، «وعليكم السلام.. حيّا الله الغلام».. أي صغير السن المحبب، هل أجمل من ذلك التدليل المسجوع؟ حتماً لها وقع مختلف، لاسيما على الصغار ممن يجدون فيها اهتماماً وحباً صادقاً، ودافعاً لاكتشاف المزيد من خبايا اللهجة الجميلة.
والأمثلة أكثر من أن تُحصى، فالبلاغة حاضرة دائماً، والمنافسة في ازدياد، فكم تعودت تلك الحفيدة على دلال الجد حين يرحب بها «مرحبا.. بالبيان والغبا».. أي بما ظهر وما خفي من زائر طال انتظاره. تلك نماذج تروج لجمالية اللهجة، وتدعو لتجري بها الألسن وتُدون في الكتب، والاستزادة بكنوزها وفرادتها المستمدة من عبق عريق، ورائحة لا تزال تبخّر حروف الكلام.
دعاء
اليوم فقط يتردد صدى دعواتها، عندما حضر رمضان في موعده ولم يجدها، كانت تلك الدعوة الأخيرة على مائدة الشهر الكريم، ودّعت حياةً ملأتها، واستحوذت على حكاياتها، ولكنها لم تبرح الأحاديث ولا الذكريات يوماً، متوغلة في صدر الكلام، اليوم.. لا أوعية ولا أطباق تمتد أمام الأحفاد بسخاء ودلال، بل ذكريات مسكونة بالحنين. دعواتنا بالرحمة والمغفرة، لمن حضر رمضان وقد غابوا.. ومن لم تعد الحياة بعدهم كما كانت، «عادكم الله على الشهر الفضيل.. وكل سنة وكل حول..».
أمل الفلاسي
