لم يكد يمر يوم علينا دون الدخول على المواقع الإلكترونية لنتصفح ما بها من أخبار وتقارير وصور، أو أن نضف صورة جديدة على هواتفنا لأصدقائنا أو لأقاربنا أو غيرهم، ولكن لا أحد بحث وتأمل في يوم من الأيام ما حكم هذه الصور من الناحية الدينية، وما حكم لو دخلنا على أحد المواقع ووجدنا بها، دون قصد منا صوراً قد تكون مخلة بالآداب، وتدعو إلى الرذيلة التي حرمها الإسلام، وهل هذه الصور من النوعين تأخذ حكم التصوير المحرم الذي أمرنا الإسلام بالابتعاد عنه.

هذا ما نحاول إلقاء الضوء عليه من خلال هذا التحقيق، ومناقشة علماء الدين الإسلامي في هذا الأمر لوضع النقاط على الحروف.

الدكتور عبدالمعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية يؤكد أن التصوير المحرم هو الذي يثير الغرائز والفتن بين عامة الشعب كتصوير بعض الأجساد العارية أو تحميل بعض المقاطع المخلة سواء على الهواتف المحمولة، أم على بعض مواقع الإنترنت، أما غير ذلك فلا حرمة فيه، مشيراً إلى أن الصور الشخصية أو الصور التي يكون الغرض منها استخدامها في العمل ويتم تحميلها على الهواتف لا تأخذ حكم التصوير المحرم.

أضاف ان التماثيل تعد من أنواع التصوير المحرم لأن الهدف منها - غالباً - ما يكون التعظيم أو العبادة، كما كان يتم في العصور الماضية، وطبقاً للآية الكريمة التي تقول (ويغوث ويعوق ونسرا) فهي أسماء لبعض الصالحين في عهد سيدنا نوح رضي الله عنه، ثم تحولوا إلى آلهة بعد ذلك في الهند يعبدون من دون الله، وهذه أسباب حرمتها لأن الله تعالى حدد أنه هو المعبود الوحيد (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون).

وأوضح أن صور العلماء كالشيخ الشعراوي وغيره والتي تعلق على الحوائط لا حرمة فيها، نظراً لأن مثل هؤلاء العلماء قد أفادوا المجتمع بالكثير، وقاموا بدورهم على أكمل وجه، ولذلك فهم يستحقون التقدير والاحترام.

وعما إذا كان من الممكن أن تتحول هذه الصور في المستقبل للعبادة كما حدث مع الصالحين من عهد نوح، أكد أن هذا درب من المستحيل نظراً لاختلاف العصور، لافتا أنه منذ ما يزيد على 1400 عام منذ بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لم يسمع أحد أن هناك بعض الأشخاص أو التماثيل يتم عبادتها من دون الله.

بدوره يؤكد الدكتور المحمدي عبدالرحمن أستاذ الفقه الإسلامي أن هناك ثلاثة أحكام للتصوير النوع الأول الحرمة، وذلك إذا كانت غير ذات ظل وعظمت ووجد بها ما حرمه الله، كالصور العارية التي توجد الآن في بعض البيوت والصحف والمواقع والموبايلات وغيرها، وذلك لقوله تعالى (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآبائكم ما أنزل الله بها من سلطان).

بالإضافة إلى الصور المعلقة على جدران الحوائط والتي توضع بهدف التعظيم والعبادة، لافتاً أن هناك العديد من الأشخاص يقومون بالسجود لهذه الصور وهذا يعد كفراً بالله عز وجل، لأنه أشرك إلهاً آخر مع الله، وصاحب ذلك عقابه سوف يكون عسيراً، وذلك لقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).

أما النوع الثاني فيأخذ حكم الإباحة، وذلك إذا كانت بهدف المصلحة كالصور التي تقدم لجهات العمل، أو صور البطاقات الشخصية، وغيرها بشرط ألا يكون فيها ما حرم الله.

أما النوع الثالث فيأخذ حكم الكراهية، وذلك إذا كانت بهدف الذكريات كالصور التي تعلق على الحوائط للشخص نفسه، أو لوالدين، أو أحد العلماء، ولكن بشرط ألا تعظم أو يكون فيها ما حرم الله، ومن الأحوط - حسب كلامه - وضعها في صندوق لحفظها، وعدم تعليقها بمثل هذا الشكل اجتناباً للشبهات لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه».

وفى رأى د.أحمد السايح الأستاذ بكلية أصول الدين جامعة الأزهر فإن التصوير من الأمور المستحدثة التي لم يرد بها نص صريح في القرآن الكريم أو السنة النبوية، وعرف القائمون على هؤلاء الأمر التصوير الفوتوغرافي بأنه حبس الظل باستخدام الآلة على شريط كيميائي، ويقابله حبس الظل بآلة على هيئة متحركة، ولذلك فلا حرمة فيه إلا إذا خرج عن الشرع كتصوير العاريات والراقصات لأن هذا يعد نوعاً من البغاء، أما غير ذلك فهو حلال.

أضاف أن هناك الكثير من علماء الإسلام يتكلمون في هذا الأمر بدون وعي أو دراسة أو اجتهاد، ولذلك فمنهم من يحرم التليفزيون باعتباره يحمل صوراً سواء متحركة أم فوتوغرافية مع أن هذا غير صحيح بل من الممكن أن يكون التليفزيون من الوسائل المهمة لنشر الدين الإسلامي.

كما أشار السايح إلى أن هناك من يروج بأن الملائكة لا تدخل منزلاً فيه صور مع أن هذا غير صحيح بالمرة، والدلائل على ذلك كثيرة ومن الحياة الواقعية؛ فالوافدون إلى بيت الله الحرام على سبيل المثال بغرض الحج معظمهم يحمل نقوداً وعملات داخل الحرم الشريف، ويكون عليها الصور لبعض رؤساء الدول، أو بعض العلامات المميزة لهذه الدول، ولو كان هذا الكلام صحيحاً فمعنى ذلك أن الملائكة لا تدخل المسجد الحرام، أو المسجد النبوي، نظراً لوجود هذه الصور بداخله مع الحجاج، وهذا ما يؤكد عدم صحة هذا الكلام وبطلانه.

يتفق معه في الرأي المفكر الإسلامي د. عبدالفتاح عساكر، والذي أكد أن الإسلام يدعو للتجدد والأخذ بوسائل العلم الحديثة كما قال تعالى (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)، ولذلك فالتصوير من الأمور المستحدثة التي لزم هذا العصر وجوبها طبقاً لاحتياجات البشر إليها، ولذلك فكل الوسائل الحديثة من إنترنت وتليفزيون وغيرهما لا تدخل في سبيل المحرمات إلا إذا أسيء استخدامها.

ولذلك فالعيب ليس في وجود هذه الأجهزة، وإنما العيب في طبيعة البشر الذين اختاروا منها الأسوأ على حساب الأفضل، ولذلك فالذنب عليهم، ووجود هذه الأجهزة وما بها من صور وغيرها لا حرمة فيها لأن هناك ملايين البشر المستفيدين من ورائها.

أضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنت أعلم بأمور دينكم»، وهنا تساءل عساكر: هل يعقل أن أحرم التصوير الذي يكون بهدف مساعدة الناس على أداء أعمالهم بحجة أنه يأخذ حكم التماثيل المحرمة، والتي كان يتم عبادتها منذ آلاف السنين، فلكل مقام مقال، ولكل عصر احتياجاته، وأشار إلى أنه يجب مراعاة إطاعة أوامر الله في مثل هذه الصور وعدم تصوير ما يثير الغرائز.. مضيفاً أن التماثيل التي توجد ببعض الميادين الآن تعد من التصوير المحرم؛ لأن الهدف من وجودها التعظيم كما كان يحدث من أهل الوثنية في الماضي.