«المسلمون حاليا بحاجة ماسة إلى الفقه والاجتهاد وإعمال الفكر في كثير من القضايا الطارئة على حياة المسلمين».. هذا ما يؤمن به الدكتور عبدالفتاح إدريس رئيس قسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، والخبير الفقهي بمجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة، حيث وصف إدريس توقف المسلمين عن الاجتهاد والتجديد بأنه جريمة شنعاء، كما سألناه في حوارنا معه عن عدد من القضايا الفقهية المطروحة على الساحة؛ ومنها بعض الفتاوى الخاطئة عن الجهاد والقتال وترويع الآمنين واستباحة دمائهم.. وهذا نص الحوار.
حول الدعوات المطالبة بتجديد الفقه الإسلامي بما يتلاءم وروح العصر قال إدريس: لقد جدت نوازل لم يكن لفقهاء السلف علم بها؛ لعدم حدوثها في أزمانهم، وإذا كان الفقه الإسلامي يقوم على الافتراضات الفقهية، على نحو «إن حدث كذا فإن الحكم فيه يكون كذا»، إلا أن ما جدّ في زماننا لم يكن بمقدور الفقهاء تصوره؛ حتى يضعوا له هذه الافتراضات الفقهية، التي أخذوا على أنفسهم الاجتهاد في التوصل إلى حكمها من خلال أدلة الشرع المختلفة؛ لأن هذه النوازل جدت بعد تطور العلوم المختلفة؛ وبعد التقدم التقني في شتى مجالات الحياة، والتي بدأت باكورتها مع بداية القرن الماضي أو قبله بقليل.
هل يعني ذلك تأييدك للدعوات المطالبة بتجديد الفقه الإسلامي؟
بالطبع، فإن هذا الفقه في حاجة إلى تجديد صوره ومعالجاته وتخريجاته؛ وفقاً للمستجدات والظروف المختلفة التي يمر بها العالم الإسلامي بعد أن امتد نطاق هذا العالم إلى كل بقاع الأرض، وصار للإسلام وجود لا ينكر في كل بلاد العالم، وبعد أن تنوعت جغرافية الأمكنة التي يعيش فيها المسلمون، وتنوعت أنشطة حياتهم ومعاملاتهم وعلاقتهم بغيرهم، سواء كان هذا الغير دولة غير مسلمة بها جاليات إسلامية، أو أفرادا لا يدينون بالإسلام في مجتمع مسلم أو غير مسلم.
حيث يفرض هذا الوضع على مجتهدي الأمة التوصل إلى أحكام شرعية لهذه النوازل والمستجدات؛ من خلال الاجتهاد في أدلة الشرع المعتبرة؛ وهذه النوازل من الكثرة بحيث يمكن القول معها إن الفقه الإسلامي المدون في كتب التراث يفتقر إلى تجديد نسيجه كله؛ حتى يكون مواكباً لمقتضيات العصر ومعطياته، وحتى يجد كل مسلم أيا كان موضعه من الأرض بياناً لكل نازلة تقع له.
أعطنا أمثلة لبعض المستجدات التي يبحث المسلمون عن حكم فقهي لها؟
من هذه النوازل حكم تناول المسلم الطعام في مطاعم يدار الخمر على موائدها، وإن لم يتناول من هذا الخمر شيئا، وحكم تناوله من الأطعمة التي تنتج في مثل هذه البلاد؛ إن كان يعم بها استخدام شحوم الخنازير أو بعض أجزائه في طهي الطعام؛ أو كانت الدماء الحيوانية تضاف عمداً إلى بعض الأطعمة الجاهزة أو نصف الجاهزة، أو كان ما تنهى حياته من الحيوانات المأكولة اللحم يتم بغير تذكية شرعية، وحكم تحديد بداية وقت الصوم ونهايته من اليوم.
وكذا تحديد أوقات الصلاة في حق من يسكنون بلاداً لا ترى فيها الشمس أو يقصر فيها النهار، وحكم التحاكم إلى قوانينها غير الإسلامية في مسائل الأحوال الشخصية أو غيرها؛ إلى غير ذلك من نوازل خاصة بإقامة المسلمين في هذه البلاد.
بالإضافة إلى النوازل الكثيرة التي فاجأت المسلمين في بلاد الإسلام، من أمثال استخدام الخلايا الجذعية في زراعة الأعضاء، أو في إطالة عمر الخلايا التي شاخت في أبدان كبار السن، أو استخدامها في التجارب، وحكم العلاج بالجينات.
من المستجدات أيضاً التي أثارت جدلاً ولغطاً قضية التحكم في تحديد نوع الجنين قبل الولادة، وذلك رغم إصدار مجمع البحوث الإسلامية فتوى تجيز ذلك..
بالرغم من كثرة الجهود التي بذلت للتوصل إلى حكم الشرع في مثل هذه القضايا، على مستوى المجامع ودور الفتوى ومراكز الشؤون الدينية؛ وهيئات كبار العلماء في العالم الإسلامي؛ فهذا الجهد المبعثر يبرز الواقع المرير الذي يعيشه المهتمون بإبراز الحكم الشرعي في هذه النوازل، كما يبرز الواقع الأكثر مرارة لعامة المسلمين الذين صاروا في حيرة من أمرهم أمام هذا التخبط المستشري في الفتاوى الفردية في مثل هذه النوازل؛ والتي يصدر أكثرها ممن لا علم لهم بكيفية الفتوى.
ولم يتوافر لهم من شروط الإفتاء فيها شرط واحد، وقد كان يكفي لرد ضالة هؤلاء المسلمين عمل جامع يجمع شتات أحكام هذه النوازل أيا كان موضعها؛ سواء كانت في أعمال مؤتمرات أم ندوات أم مجامع فقهية أم هيئات كبار العلماء أم نحوها، وليس هذا بالأمر العصي أمام جهود أهل العزم من هذه الأمة.
أما بالنسبة لموضوع التحكم في نوع الجنين فقد اختلفت حوله آراء العلماء، ولكن الرأي الراجح هو جواز اختيار جنس الجنين، عن طريق التحكم في النطفة الذكرية التي يتم الإخصاب بها، إذا روعيت الضوابط الشرعية، كما أن عملية التحكم في نوع الجنين لا تجوز إلا في حالة الضرورة إليه كأن يكون بأحد الوالدين مرض وراثي يصيب جنساً من ذريتهما دون الجنس الاخر.
هناك أيضاً مشروع علمي لعلاج العديد من الأمراض المستعصية عن طريق تقنيات حديثة أو ما يسمى بالعلاج الجيني؛ فهل مثل هذه التقنيات العلمية تجد لها في الشرع الإسلامي ما يبرر استخدامها؟
الفقه الإسلامي فقه ثري ويستمد ثراءه من الشريعة الإسلامية التي تتميز بالمرونة، فهي شريعة صالحة لكل زمان ومكان؛ وقد تناول الفقهاء المسلمون موضوع العلاج بالجينات من الناحية الشرعية؛ ولكنهم اختلفوا حوله نتيجة لاختلافات الاجتهادات؛ فانقسموا إلى فريقين حول مدى اعتبار الخلايا الجذعية أجنة بحيث يكون حكمها حكم الجنين المتكون في الرحم.
فالخلايا الجذعية لمن لا يعرفها هي عبارة عن الخلايا الجنينية المتكونة من بويضة مخصبة، وهي في بداية انقسامها الخلوي خارج الرحم، وكان الرأي الراجح هو اعتبار أن هذه الخلايا الجنينية كالجنين المتكون داخل الرحم يحرم الاعتداء عليه أو إفساده أو إنهاء حيويته أو إجراء التجارب عليه.
ما تعليقك على المطالبة في كثير من الدول الإسلامية بإصدار تشريع يلزم الشباب والفتيات بإجراء فحوصات طبية قبل الزواج؟
هذا الأمر يقدم ولا يؤخر، وذلك لأن هناك الكثير من وسائل التحايل على مثل هذا التشريع إن وجد؛ فضلاً عن أن العلاقات الأسرية لا يجب أن تنظم بهذا الشكل؛ فمثلاً لو كان هناك شاب وفتاة مخطوبين وكانت بينهما علاقة عاطفية قوية وعند الفحص الطبي تبين لهما أنهما مصابان ببعض الأمراض الوراثية فهل نتصور أنهما سينفصلان كلا وألف كلا، وبالتالي يمكن أن تكون عملية الفحص اختيارية وليست إجبارية.
القاهرة-دار الإعلام العربية

