وُلِد الرسول صلى الله عليه وسلم يتيماً ورباه ربه وعلّمه جميع محاسن الأخلاق. وقال صلى الله عليه وسلم: «أدبني ربي فأحسن تأديبي».

ومن أراد الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعتمد أخلاقه وسيرته ما أمكنه، لأن سيرته (صلى الله عليه وسلم) دليل من الأدلة الساطعة على ثبوت نبوته، ولأنها ـ أي سيرته ـ تشهد له بأنه رسول الله حقاً، ولو لم تكن له صلوات ربي وسلامه عليه معجزة غير سيرته، لكفى وذلك واضح من نشأته صلى الله عليه وسلم في بلاد الجهل، لا يقرأ ولا يكتب، وكفى بالعلم في الأمين معجزة. وكان من عظمته صلى الله عليه وسلم أن أطلقت قريش عليه لقب الأمين.

فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة، شهد بنيان الكعبة، وتراضت قريش بحكمه فيها، وكانوا قد اختلفوا فيمن يضع الحجر، فاتفقوا على أن يحكم بينهم أول داخل يدخل المسجد، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يقضي على الخلاف الذي نشأ بينهم، فقال: هلموا ثوبا، فوضع الحجر فيه. وقال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من نواحيه، وارفعوه جميعاً، ثم أخذ الحجر بيده فوضعه في مكانه.

ولما بلغ أربعين سنة بعثه الله عز وجل وذلك يوم الاثنين وخط بأخلاقه وصفاته وعظمته صفحات ناصعة جعلت المسلمين يعيشون لحظة بلحظة مع كل تصرف وقول وسلوك تمتع به المصطفى صلى الله عليه وسلم.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم، كما وصفه الحق سبحانه وتعالى في سورة القلم: (وإنك لعلى خلق عظيم).

وسئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، بل كان صلى الله عليه وسلم قرآناً يمشي، فتراه وقد اجتمعت فيه صفات الكمال الإنساني. كان صلى الله عليه وسلم أسخى الناس، كان لا يبيت عنده دينار ولا درهم، فإن فضل ولم يجد من يعطيه ويجنه الليل لم يأو منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه، ولا يأخذ مما أتاه الله تعالى إلا قوت عامه فقط من أيسر ما يجد من الشعير والتمر، ويضع سائر ذلك في سبيل الله تعالى. كان صلى الله عليه وسلم لا يزيد مع كثرة الإيذاء إلا صبراً وعلى إسراف الجاهل إلى حلماً.

قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: ما خُيِّر عليه الصلاة والسلام بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله.

ولما فعل به المشركون ما فعلوا في أُحد، وطلب منه أن يدعو عليهم، قال: اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعملون.

ولما فتح الله عليه مكة ودخلها منتصراً، عفا وصفح عن أهلها رغم إيذائهم له، فقال صلى الله عليه وسلم: ما تقولون إني فاعل بكم، قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

كان صلى الله عليه وسلم حسن العُشرة، فكان يكرم كل قوم ويوليه عليهم، وكان يعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون المنصرف عنه.

كان صلى الله عليه وسلم يجيب من دعاه، ويقبل الهدية، ولو كانت كراعاً، ويكافئ عليها، وكان يمازح أصحابه ولا يقول إلا حقاً، كان يلاعب صبيانهم ويجلسهم في حجره. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شفوقاً رؤوفاً رحيماً بالناس.

روي أن أعرابياً جاء يطلب منه شيئاً، فأعطاه، ثم قال له: «أحسنت إليك»، قال الأعرابي: «لا». ولا أجملت، فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا، ثم قام ودخل منزله وأرسل إليه وزاده، ثم قال: أحسنت إليك؟ فقال: نعم. فجزاك الله من أهل وعشرة خيراً. فقال عليه الصلاة والسلام: إنك قلت ما قلت وفي أنفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك. قال: نعم.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس تواضعاً، وحسبك أنه خُيِّر بين أن يكون نبياً ملكاً أو نبياً عبداً، فاختار أن يكون نبياً عبداً.

خرج عليه الصلاة والسلام مرة على أصحابه متوكئاً على عصا، فقاموا، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظِّم بعضهم بعضاً. وكان يقول لأصحابه: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله.

كان صلى الله عليه وسلم يجالس الفقراء ويواكل المساكين ويلزم أهل المروءات في أخلاقهم، ويستألف أهل الشرف بالبر لهم.

أُطْعِم السُّمّ وسُحِر، فلم يقتل من سمّه، ولا من سحره، لقد جمع الله له السيرة الفاضلة والسياسة التامة، فصلوات ربي وسلامه عليك يا سيدي رسول الله يا من بعثك الحق تبارك وتعالى رحمة برحمة وهداية بهداية ونوراً بنور.

حامد واكد