في كل مرة يوصد فيها باب محاولات الوالدة في استعراض مشروع الزواج متذرعاً بسيلٍ من الطلبات والشروط، التي يدرك بينه وبين ذاته أنها صعبة المنال.. وتتيقن الأم حينها أنها مجرد محاولة للتعجيز.. ونقطة على السطر.

يقول «أريدها جميلة، جمالاً واضحاً مبهراً.. طويلة متوازنة الجسد بين النحافة والسمنة، أريدها ذكية، اجتماعية، محط إعجاب العائلة، كذلك لا أريدها موظفة.. أريدها زوجة تليق بأمومة أولادي».. أعيتها تلك المواصفات، وداخت بين صفوف الفتيات، واحتارت أي عروس تلك التي تضع حداً لعزوبية ابنها. ومازال الجدل محتدماً، بينما هو واقف على مشارف الأربعين، وحياة أصدقائه المهتزة في غياب التوافق الأسري تتراءى له باستمرار.

تلك العروس تعيش حتماً بيننا، قد لا يتقاطع معها فارس الأحلام في زمان أو مكان، قد تأتي بعد فوات الأوان، قد يخطفها النصيب قبل أن تراها «الوالده» في أحد حفلات الأعراس، أو في مجلس عزاء في أسوأ الأحوال، ولكنها بالتأكيد ليست مستحيلة.

تحليل

تحار النفس البشرية في تصنيف أبناء جلدتها، فالجمال يخضع لمقاييس، والذكاء كذلك، وفي مجتمع يرجّح كفة الزواج التقليدي لا يمكن العبور بالتأويلات نحو مناطق أعمق من زيارات اجتماعية تنفي أو تؤكد تلك المواصفات.

ولا يزال الحديث على البر و«بنتنا عندنا وولدكم عندكم»، فلا داعي لمحاولات التقرب، لأن الوصول لطريق مسدود يثير كلام الناس، والفشل يعكر مياه أي تجارب مقبلة، بينما ترزح الشروط تحت السقف ولا تخترقه.

تلك الشروط قشور توحي بحياة هانئة، وشريك بحث عن شريكه مراراً يؤكد الرغبة في النجاح، ولكن لا تبدو أحداث الحياة كذلك، فهاجس السيطرة يلغي مفاهيم ترسخت في ذهن الآخر عن حياة مشتركة، يشكل نصفها، فعندما اقتنعت تلك الجميلة بخوض تجربة الزواج بينما هي لا تزال تقفز على مقاعد الدراسة، كانت محط اهتمام زميلاتها، وكانت التجربةً كفيلة بالاستغناء عن شهادة الثانوية العامة، مقابل حياةً أكثر استقراراً، وأمومة على مشارف العشرين أحاطتها دفئاً وشقاوة.

اليوم كل محاولاتها بالعودة لاستئناف الدراسة تُمنى بالرفض، حتى لا تتفتح عيناها على أمور أخرى، وتطالب بحق العمل وتكثر الجدل، لأنه يدرك بحسبها أن العلم سلاح، مصادراً حقها في قرار يخصها.

العزف على وتر الذكاء فن يجيده الرجال، أما الجمال فعلى ما يبدو سلاح أيضاً، أجمعت صديقاتها ممن تصفحن بإمعان ألبوم عرسها بأنه كان يفوقها جمالاً، ووسامةً، متهامسات بتاريخه الحافل بالفتيات، هي التي لطالما اعتبرنها صديقاتها متوسطة الجمال، حالمة ورومانسية خُلقت لتكون زوجةً وأماً، قبلت بعرض الزواج المغري واستسلمت للحياة متيقنّة أنه ليس شريكها المناسب، صامتةً أمام سيل من الإخفاقات.

تساؤل

لم لا تحظى العديد من النساء الناجحات في عملهن بزيجات موفقة، وحياة أسرية هانئة؟ لا جواب محدد. قد يمنح الفشل جرعة من القوة والنجاح كرد فعل مضاد، وقد لا يُحبّذ الرجال النوع الحديدي من النساء. وقد تفشل النساء في الفصل بين «المديرة» والمدام، وتنشغل بالبحث عن ذاتها بينما يبحث آدم عن أنثى أخرى، التنشئة جزء من تفسير تلك المتناقضات، تعلمنا ألا تقارن المرأة نفسها بالرجل.

وإذا ضاقت السبل، تضحي بنفسها بينما ينجو مشروعه، لا مانع، شرط ألا تخرج من تلك التجربة بخفي حنين، فتصبح بلا ظل «حيطة» ولا ظل «راجل».

على عكس ذلك كان الإسلام. مخلداً سير نساء لمعن في أزمنة وأمكنة مختلفة، زوجات قديرات، مجاهدات، شاعرات وأمهات وجديرات بالأمومة، خلدهن التاريخ بعيداً عن «طاري» الجمال أو الرشاقة، دون أن ينزعج الرجل من خيال امرأة خارقة تسلبه حقوق اتخاذ القرار، أو خجل من ذكر اسمها على الملأ واستبداله بالحرمة، أو الأهل.

ترتبط النساء المتميزات وذوات القدرات الفذة عادةً بقصة نجاح أو فشل، والغرب يحفل بنماذج تستحق الوقوف والتأمل، لم تلتفت ميشيل أوباما إلى كاريزما زوجها التي تتفوق على حضورها المساند، ولم يستقو الرئيس بجاذبيته للبحث عن غراميات كما فعل الوسيم زوج صاحبتنا متوسطة الجمال الصامتة، بل امتنّ أوباما لشريكة حياته بوفاء الأيام الخوالي.

وبالرغم من إخفاقات زوجية من العيار الثقيل، عادت هيلاري كلينتون تثأر لأنوثتها بقوة الرجال بعد مرور 8 أعوام على جرح الكرامة، ولم ترض إلا بالصفوف الأمامية في صنع القرار، بينما يلعب كلينتون دور زوج المدام بابتسامة على الدوام.

لم يخل عالمنا العربي من استثناءات مشابهة، أول ما يتداعى للذاكرة هي جيهان السادات، التي جاءت نموذجاً عربياً متفوقاً، يلبي مطالب الذوق الشرقي بتحفظ، الجمال والذكاء والقوة، بدأت من الصفر تسلحت بالدرجات العلمية واخترقت ميدان العمل العام، وسجلت للمرأة والطفل مكتسبات تخلدها في أزمنة التخلف، الإنجازات وحدها تبقى، فلا جمال دائم ولا قوام باقٍ. اتعظوا أيها الرجال.

لا اتهامات ولا عتب. تلك رسائل للأنثى لإحياء قواها الكامنة. بينما تظل المرأة الخارقة حلماً يلوح للرجال ولا يقتربون منه، فلا صيغة متفق عليها، ولا الأذواق متماثلة. وبين الذكاء والجمال، ضاعت مربية الأجيال.

أمل الفلاسي

aalfalasi@albayan.ae