قال الله تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ( الزخرف الآية 32 )، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إخوانكم خولكم، جعلهم اللَه تحت أيديكم، فمن كان أخوهُ تحتَ يدهُ فليطعمْهُ ممّا يأكل، وليلبِسهُ ممّا يلبس، ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم»( متفق عليه). وقالصلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجيرَ أجرهُ قبلَ أن يجفَّ عرقهُ» (أخرجه ابن ماجه).

أرسى الإسلام مبادئ وتعاليم ومفاهيم عظيمة بين اتباعه من المسلمين من عمل بها نال خير الدارين ونعم براحة البال وسعادة النفس وحب الله عز وجل ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم والقبول من عباده المخلصين ومن بين هذه المباديء العالية مبدأُ العدلِ، حيث إنه مصدر الأمنِ والأمان والاستقرارِ في الأرضِ، وعن طريقه تحفظ الحقوق وتصان، وتطمئن الُّنفوس، وعليه قامت السماوات والأرض.

والتفاوت بين الناس من حيث إنهم طبقات مختلفة حيث نجد الغني والفقير والرئيس والمرؤوس والمتعلم والحرفي إنما لحكمة الله سبحانه وتعالى في خلقه كي يحتاج الناس بعضهم لبعض من أجل تعمير الكون واستعمار الأرض أيْ ليسخِّر بعضَهم بعضاً في الأعمالِ والحِرَفِ والصنائِعِ، ولو تساوى الناس في الغِنى فلا نجد من يبني المنازل ولا من يغرس الأرض وم احتاج بعضنا لبعض فنرى الأعمال قد عطلت المصالح والمنافع بين الناس قد شلت، من أجل هذا شرع الإسلام المباديء السامية التي توضح كيفية تعامل الناس مع بعضهم خاصة في أمر الأجراء والمستخدمين فمن أوجه العدل إعطاؤهم ما لهم من حقوقٍ دون تأخير.

وهذا من حسنُ التعاملِ الذي دعى إليه الإسلام، بل هو عمل يَتقرب بهِ العبد إلى الله عز وجل وخير مثال لذلك ما جاء في قصة سيدنا موسى عليه السلام عندما سَقَى لابنتَي الرَّجُلِ الصَّالح : (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ) (القصص:27). ]وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ % قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (القصص 27-28).

ومن عظمة الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُكَلَّفَ العامل أو الأجير فوقَ طاقتِه فلا يُطْلَبُ منه ما يَعْجِزُ عنه أو يشق عليه ، قال صلى الله عليه وسلم : «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ وَلاَ يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا يُطِيقُ» (رواه مسلم ).

فمن الواجب على صاحب العمل أن لا يكلف من يعملون تحت يديه ما لا يطقون من أعمال، و أن لا يبخسهم حقوقهم أو يؤخر أجرهم وحقوقهم فهؤلاءِ العمالِ و الخدمِ يكافحون من أجل أن يكون طعامهم وملبسهم هم ومن يعولون من حلال فمن الواجب مساعدتهم على ما هم فيه من عناء ومشقة فإي هضم لحقوقهم وأكلاً لأموالهم فإن ذلك حراماً حرمه الإسلام، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم مخبراً عن ربِّه : «قَالَ اللَّهُ ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ أَعْطَى بِى ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ» (رواه البخاري).

كما حرم الإسلام استخدام القوة في التعامل معهم وكذلك السب و ضرب الضعفاء، وروي أن أبا مسعودٍ البدريّ رضي الله عنه قال :«كُنْتُ أَضْرِبُ غُلاَمًا لِى فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِى صَوْتًا «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ». فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ. فَقَالَ «أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ». (رواه مسلم ) .

من هذا المنطلق نجد أن ظلم الإنسان لمن يعملون عنده يجره إلى عذاب شديد حيث إن الظلم ظلمات يوم الدين بينما الواجبَ على المسلمِ حينما يَسْتَخْدِمُ عُمَّالاً رجالاً كانوا أو نساءً مسلمين أو غير مسلمين أن يتق اللهَ فيهم وأن يُرَاعِيَ حدود الله عز وجل في أحوالهم وظروفهم المعيشية ، كما يجب أن يرفق بهم ويحلم عليهم ولا يقسوا في طلباته ولا يكلفهم من الأعمال مالا يطيقون ، وأنْ يصصح أخطاءهم ومخالفاتهم باللين والحسنة لعل الله الله عز وجل أن يجعله سببا في دخول من ليسوا مسلمين منهم الإسلام فقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لسيدِنا عليٍّ رضي الله عنه: «فَوَاللَّهِ لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»(أخرجه البخاري).

أشرف محمد شبل