كلما ازداد المسلم قرباً من ربه وهذب الإيمان من نفسه شعر أن الدنيا قد حيزت له بحذافيرها، فتراه رحيماً بخلقه عطوفاً عليهم مشفقاً بهم، لا يقابل السيئة بالسيئة وإنما يدفع بالتي هي أحسن فيعفو عمن ظلمه ويأخذ بيده إلى الجادة الموصلة لمرضاة ربه.

وإذا تعرض المسلم للإيذاء ممن يعرفهم ويتخذهم إخواناً ويبسط لهم من خيرات الله، عليه أن يتمسك بموقفه ويستمر في مودتهم ومحبتهم ومعاونتهم، لأن العاقل إذا رزقه الله ود امرئ مسلم صحيح الوداد عليه أن يتمسك به ثم يوطن نفسه على صلته إن صرمه وعلى الإقبال عليه إن صد عنه وعلى البذل له إن حرمه وعلى الدنو منه إن باعده، لأن أعظم عيب المرء تلونه في الوداد قال تعالى: «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين» فالعفو والصفح والمسامحة تجعل المسلم يؤثر ما عند الله من مغفرة وثواب على ما تهجس به النفس من حب الانتصار والانتقام.

قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَـ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَـ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍـ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌـ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) الشورى من 39 إلى 43.

قال الأصمعي: قال رجل من الأعراب: أعجز الناس من قصر عن طلب الإخوان، وأعجز منه من ظفر بذلك منهم فأضاع مودتهم وإنما يحسن الاختيار لغيره من أحسن الاختيار لنفسه والمسلم الحكيم هو الذي لا يقصر في تعاهد الوداد ولا يكون ذا لونين في التعامل مع الآخرين حيث لا خير في متآخيين ينمو بينهما الخلل ويزيد في حالهما الدغل.

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: «ادفع بالتي هي أحسن، قال: الصبر عند الغضب والعفو عند الإساءة فإذا فعلوا عصمهم الله وخضع لهم عدوهم». ذكره البخاري تعليقاً

وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصراً من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله فإذا انتهك من محارم الله شيء كان أشدهم في ذلك غضباً، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً» رواه الترمذي في الشمائل وهو عند مسلم بلفظ آخر.

والمسلم العاقل هو الذي يكظم غيظه إذا أغضبه من يتعامل معهم في البيع والشراء، فهذا يبعده عن التشفي في الحال وعليه أن يذكر ربه كي يطمئن قلبه وتهدأ نفسه ويبعد الحقد من قبله لأن المؤمن ليس بحقود.

فالحقد خطره عظيم لأنه يمنع الإنسان من قضاء دين أو صلة رحم أو رد مظلمة وكل ذلك حرام.

روي عن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين ما شاء». رواه أبو داود والترمذي وحسنه.

يروى أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله ما تقضي بالعدل، ولا تعطي الجزل، فغضب عمر حتى عرف ذلك في وجهه فقال له رجل: يا أمير المؤمنين: ألا تسمع أن الله تعالى يقول: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) الاعراف: 199، فهذا من الجاهلين، فقال عمر: صدقت فكأنما كانت ناراً فأطفئت ويقول عمر رضي الله عنه: من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يشاء ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون.

وقال محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق وإذا قدر لم يتناول ما ليس له.

وقال إبراهيم التميمي إن الرجل ليظلمني فأرحمه وهذا إحسان وراء العفو، لأنه يشتغل قلبه بتعرضه لمعصية الله تعالى بالظلم وأنه يطلب يوم القيامة فلا يكون له جواب.

إن مجتمع المؤمنين لا تقوم المعاملة بين أفراده على المؤاخذة والمحاسبة والانتصار للذات والانتصاف لها في كل صغيرة وكبيرة وإنما تقوم فيه المعاملة بين الأفراد على المسامحة والتغاضي والصفح والصبر.

قال تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ). فصلت 34، 35.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في الدفع بالتي هي أحسن فعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة حذبته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء.

وروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رجلاً قال له علمني كلمات ينفعني الله تعالى بهن، قال أبو الدرداء أوصيك بكلمات من عمل بهن كان ثوابه على الله عز وجل الدرجات العلى: لا تأكل إلا طيباً واسأل الله تعالى رزق يوم بيوم وعد نفسك من الموتى وهب عرضك لله تعالى، فمن شتمك أو أذاك فقل: وهبت عرضي لله تعالى، وإذا أسأت فاستغفر الله.

حامد واكد