كثيرة هي العوامل التي تدفع الفرد أو الدولة للادخار، ومنها: مستوى دخل الفرد فكلما كان الدخل مرتفعًا زادت القدرة على الادخار أو العكس، ثم مستوى الأسعار: حيث إن هناك علاقة عكسية بين الأسعار والادخار، فإذا زادت الأسعار قلَّ الادخار أو العكس.. ثم العائد المتوقع والمكسب الذي ينتظره الفرد من الادخار: فكلما ارتفعت قيمته زاد إقبال الفرد على الادخار ثم الاحتياط لمواجهة الأزمات: كالفقر والمرض وغير ذلك والرغبة في تحسين مستوى المعيشة والاستمتاع بدخل أكبر في المستقبل والرغبة في توفير الإمكانات اللازمة لأداء بعض الأغراض: كشراء السلع المعمرة كالسيارة أو الثلاجة وغيرهما والتي لا يستطيع دخل الفرد تحقيقها بصورته الجارية.
ويوصي الرسول صلى الله عليه وسلم بترك الورثة أغنياء فقد سأله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال يا رسول الله قد بلغني من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنةٌ لي واحدة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا»، قلت: فالشطر يا رسول الله ؟ قال: «لا». قلت: فالثلث ؟ قال «الثلث والثلث كثير. إنك أنْ تَذَر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس، ولَسْتَ تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرت بها حتى اللقمةُ تجعلُها في فِيَّ امرأتك» (أي في فم امرأتك). متفق عليه.
إن استمرار الإنفاق من الدخل على أوجه الإنفاق المختلفة وتوسعه عبر الزمن للإنفاق على الذرية وتحسين مستوى الإنفاق يستلزم ادخارا يتم استثماره، وحتى لا يتناقص المال. ومن المعلوم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ويظهر من النصوص الشرعية ومقاصدها العامة أن الاستثمار مباح ومشروع بأصله على مستوى الفرد.. بل نستطيع القول بأنه ترد عليه الأحكام التكليفية من حيث عوارضه ووسائله لكنه ـ من حيث المبدأ ـ واجب كفائي على الأمة في مجموعهم، أي أنه لا يجوز للأمة أن تترك الاستثمار.
ذلك لأن النصوص الشرعية متضافرة في أهمية المال في حياة الفرد والأمة، وتقديم المال على النفس في جميع الآيات التي ذكر فيها الجهاد والأموال والأنفس إلا في آية واحدة في سورة التوبة ـ الآية الحادية عشرة بعد المئة.
حيث قدمت الأنفس؛ لأنها تتحدث عن الشراء، وامتنان الله تعالى بالمال، والمساواة بين المجاهدين، والساعين في سبيل الرزق كما في آخر سورة المزمل، وتسمية العامل والتاجر بالمجاهد في سبيل الله في أحاديث كثيرة كل ذلك يدل بوضوح على وجوب العناية بالمال وتثميره وتقويته حتى تكون الأمة قادرة على الجهاد والبناء والمعرفة والتقدم والتطور والنهضة والحضارة، حيث إن ذلك لا يتحقق إلا بالمال كما يقول تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها). (النساء: 5).
فقد سمى الله تعالى المال بأنه قيام للمجتمع الإسلامي، وهذا يعني أن المجتمع لا يقوم إلا به ولا يتحرك ولا ينهض إلا به، كما أن قوله تعالى: (وارزقوهم فيها)، ولم يقل (منها) يدل بوضوح على وجوب الاستثمار حتى تكون نفقة هؤلاء المحجور عليهم (من الأطفال والمجانين) في الأرباح المتحققة من الاستثمار وليست من رأس المال نفسه.
في الحقيقة فإن الفرد المسلم سيقوم بترتيب إنفاقه على أوجه الإنفاق المختلفة فيخصص لكل وجه منها ـ بحسب أولويته ـ المقدار الذي يقضي منه حاجته باعتدال، فإن تبقى من الدخل شيء فإنه يدخره وإن كثر.
فإذا لم تكن تكفي لذلك فإنه تتم موازنة في قضاء الحاجات بين الحاضر والمستقبل ويتم ذلك بالرجوع على قضاء الحاجات بحسب أولوياتها من الخلف إلى الأمام فيبدأ بتقليص أو استبعاد الإنفاق في سبيل الله فالتحسينات فالحاجيات إلى أن يتحقق العدل في قضاء الحاجات بين الحاضر والمستقبل.
أحمد عبدالمجيد