الشيخ الدكتور محمد مطيع الحافظ رئيس قسم المصحف الشريف في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي.. من المؤسسين لمركز جمعة الماجد الثقافي ورئيس لجنة دبي المشرفة على طباعة المصحف الشريف للشيخ مكتوم بن راشد رحمه الله. وله حوالي خمسين مؤلفا في اللغة والأدب والتاريخ وعلوم القرآن والتراجم، التقينا معه وكان هذا الحوار:

شاركتم في إعداد مصحف الشيخ مكتوم بن راشد رحمه الله هل لكم أن تحدثونا عن هذه المساهمة؟

عندما عينت في دائرة الشؤون الإسلامية في دبي التحقت بقسم المصحف الشريف وكان المدير العام وبعض العلماء قد شكلوا لجنة لطباعة هذا المصحف، واختارني المدير العام الشيخ عيسى المانع لأكون رئيسا للجنة دبي وقد امتازت هذه التجربة بأننا بدأنا.

حيث انتهى الآخرون فعدنا إلى ما قام به الأزهر من طباعة مصحف الملك فؤاد والى مصحف المدينة المنورة الذي اعتمد على المصحف الصادر في دمشق عن الدار الشامية وأضفنا المميزات التي تم اعتمادها من قبل اللجنة العليا لمشروع طباعة مصحف الشيخ مكتوم وهي مؤلفة من كبار مشايخ القراء في العالم الإسلامي من سوريا ومصر والمغرب والمدينة المنورة وموريتانيا وهذه المميزات مذكورة في آخر المصحف لمن أراد ان يتعرف عليها، أما لجنة دبي فقد كانت مؤلفة من متخصصين في علوم القران والرسم والضبط وقد استمر العمل لمدة 8 سنوات ونحمد الله انه قد خرج المصحف بحلة قشيبة وطباعة أنيقة وخط جميل يليق بكتاب الله وصدر والحمد لله منذ الطبعة الأولى دون أي خطا وهذا قلما يحدث في طباعة المصاحف والفضل لله.

تعيش الأمة الإسلامية اليوم حالا من اهتزاز القيم، وغزو فكري وقيمي غربي، كيف تشخصون الأمر وانتم من جيل عرف بأصالته وكمال هويته وانتمائه؟

الغزو الغربي الفكري للبلاد العربية والإسلامية بدأ بعد انتهاء الحروب الصليبية مباشرة واستمر بشكل مخطط ومنظم ومدروس، فقد أدرك أعداء الأمة انه لا جدوى من الصراع والعنف مع المسلمين وهم على دينهم والتزامهم، هذه الهزيمة الحضارية جعلتهم يقررون انه لا بد من زرع الفتن والشكوك ونشر الشبهات لزعزعة الإسلام والقضاء على المسلمين، وقد كان ضمن ما استعانوا به التبشير والاستشراق.

كان لابد للمستشرقين الذين أرادوا خدمة أعداء الأمة ان يدرسوا تاريخها ولغتها وتراثها وأدبها ودينها وحضارتها، ثم أنهم بدأوا يشيعون انطباعا بان الدين هو سبب هذا التدهور الذي أصاب الأمة في أواخر العهد العثماني وانه هو الذي حال بين الأمة وبين العلم والتقدم لأنه ينتج عقولا تعتمد الغيبيات بدلا من التفكير العقلي والعلمي الصحيح، وقد وجد في الأمة فئة اتصلت بالغرب وعادت بهذه الأفكار وعملت على ترويجها.

وأين كان العلماء المسلمون في هذه الفترة وأين الأزهر؟

الأزهر مؤسسة إسلامية عظيمة شكلت حصنا منيعا للعلوم الشرعية وعلوم العربية عبر عدة قرون، علماء الإسلام قرروا ان العلوم الدنيوية فرض كفاية قبل قرون من هذا، والأزهريون كانوا واعين تماما لدورهم في صد هجمات العدو استعمارا وفكرا وشبهات وكانوا يعلمون ان من واجب الأمة ان تأخذ بأسباب التقدم العلمي.

إذن المسلمون لم يقصروا وعلماء المسلمين كانوا على أحسن أداء وكل ما في الأمر اننا غلبنا على أمرنا وما كان في الإمكان أحسن مما كان؟

الهجمة كانت اعنف وأقوى من ان يستطيع احد التصدي لها، لقد دب الضعف في الدولة العثمانية وظهرت مطامع الغرب في إسقاط الدولة والسيطرة على أراضيها، ثم جاء الاستعمار الغربي الذي تقاسم بلاد العرب وجاءت الجيوش بعددها وعتادها وأفكارها وخططها فمن ذا الذي كان قادرا على الوقوف في وجهها، لقد ظهر لدينا مفكرون عظام شعروا بحجم الخطر وطبيعة الصراع وراحوا ينبهون الناس إلى ما هم مقبلون عليه، ومنهم شوقي وحافظ إبراهيم والمنفلوطي والرافعي وهؤلاء جميعا دعوا إلى التمسك بالإسلام وبالهوية والأصالة مع الاستفادة من الغرب فيما ينقصنا من العلوم المادية.

يقولون ان مناهج التعليم الحديثة تقوم على دراسات حديثة في التفكير الايجابي وحل المشكلات وتكنيك التعليم عبر الحاسوب بينما كان التعليم السابق يعتمد على الحفظ والتلقين؟

انظر إلى مخرجات التعليم تجد ان هذا الكلام غير صحيح، أولا هناك نظام للنجاح في المرحلة الابتدائية في أكثر البلاد العربية يعتمد النجاح التلقائي بغض النظر عن تحصيل الطالب، أيضاً انخفض مستوى المناهج بشكل عام لتكون في متناول الجميع تحت شعار ان التعليم حق للجميع في المرحلة الابتدائية، عندما كنت طالبا كان مستوى مناهج اللغة العربية يعادل ما يتعلمه الناس اليوم في المرحلة الثانوية، وفي المرحلة الإعدادية (نهاية الصف التاسع) كان منهاج مادة التشريح يتألف من حوالي 400 صفحة وقد يفوق ما يتعلمه طلاب الصف الأول في كليات الطب والعلوم اليوم.

هل تريد ان تعود بنا إلى مرحلة الكتاتيب؟

شوقي ضيف نفسه يقول لابد من العودة إلى الكتاتيب، ولكن ما هو الكتاب؟ في مرحلة ما قبل المدرسة وحتى سن العاشرة كان الأطفال يتعلمون على يد شيخ القراءة بالعربية ثم حفظ القران الكريم، كثيرون منا كانوا يحفظون القران كاملا خلال هذه الفترة، وبغض النظر عن الجانب الديني والإيماني هل تعرف ماذا يعني ان ينجز عقل في العاشرة من عمره حفظ القران الكريم وأي تدريب مارسه هذا العقل وأي مخزون لغوي وقيمي وأخلاقي استطاع ان يحصل عليه، المشكلة ان هؤلاء العباقرة الذين يدعون إلى تجاوز التعليم «التقليدي» إلى الأساليب الحديثة هم أنفسهم أبناء هذه الكتاتيب والتعليم التقليدي.

العزوف عن القراءة والكتاب.. هناك من يقول ان الحاسوب والانترنت قد حلا محل الكتاب الورقي وحتى المجلة والصحيفة صارت تقرا عبر الانترنت ما رأيكم بهذا؟

العزوف عن القراءة والإقبال على الانترنت وجهان لعملة واحدة هي الهروب من العلم والتعليم والثقافة الراقية والإقبال على اللهو والتسلية والترفيه وقتل الوقت بالمؤذي والضار.

وما الحل؟

الحل يبدأ من البيت،لابد من إشراف الأب وألام المباشر والدائم على تربية الطفل وتنشئة الفتى وزرع قيم الالتزام وحب التعلم والعمل والبناء، وسأقول كلمة لكل الآباء والأمهات وأرجو ان ينتبهوا إليها ويذكروني بها، (من سيعتمد على المدرسة لن يربي أولاده) المدرسة في أحسن الحالات- ونحن اليوم لسنا في أحسن الحالات- تقدم العلم مع قليل من التوجيه، والتربية السلوكية والأخلاقية والقيمية لا تكون إلا في البيت وبإشراف الأب والأم وعندما يكون هذان الأخيران قدوة محبوبة غير منفرة.

حوار ـ ماهر سقا أميني