هدير ماكينة الخياطة الوحيدة في الفريج يعلو ولا يتوقف مع بدء العد التنازلي للحدث المنتظر، ويأتي الترتيب.. نصيب الأولاد أولاً، ثم البنات، ألطف الكائنات، تستمر «ورديات» الخياطة التي تتناوب عليها الأمهات حتى الفجر، عندما تزيح يد الشمس الظلمة ملوحةً ببدء نهارهم المزخرف بأهازيج المناسبات على اختلافها ؛ فالحدث ضيف يجب التأكد من اكتمال ترتيبات استقباله.
كنادير الصبية وفساتين البنات وحقائبهن تخرج من رحم الماكينة ذاتها، عجين الحناء يدور مجدداً في الفريج.. نقوش في الأكف وعلى أطراف الأصابع، علامات الحب والاحتفاء تزدهر على الوجوه.. وسط الأيادي والقلوب. مشهد موعود في الأعياد والمناسبات التقليدية والأعراس.
الحدث.. حبيب يعود بعد سفر، تستقبله البنات بأبهى حلل الشوق، بأزياء أُعدت للمناسبة.. بالشعر المنسدل حين، والمجدول حيناً آخر، المُضمّخ بالزيوت العطرية وعبق دهن العود على الثياب، أما الأيادي فمزدانة بدوائر الحناء العابقة بشذاها الزكي والمختلطة بالعرق، والعيون المشرقة بالكحل السائل إثر موجات اللعب والمرح..
حيث لا وجود للكحل المضاد للماء، تلك طقوس جماعية تُكتب للجميع، لا تستثني الصبية من منافسات مشابهة، الكندورة البيضاء، والطيب ورائحة النظافة.. هيئة ليست كتلك التي اعتادها أبناء «الفريج» في موجات اللعب اليومية.
للمناسبات السعيدة هيبةُ يحفها الفرح، وقداسة تشبه أداء الواجب بإخلاص. الأمهات كذلك لا يتوانين عن استقبال تلك المناسبات السعيدة بأطايب يقترن طعمها بالحدث، والسهر لتجهيز مذاق العيد، ورشه بأزكى الروائح. لا يترددن في قضاء ساعات في تلوين المناسبات بالحناء لأنه موسم الاحتفاء الممتع في حكاية الحدث، موسم يبعث غيرة النساء فهو محط إعجابهن الخفي.. وتوظيف المكر الأنثوي المستتر «تحنيتوا؟».. «لأ».. «عيل ما عيدتوا»..
سرور
للآباء كذلك جهودهم الحثيثة بتقديم الغالي والنفيس لاغتنام بهجة الأعياد وتفاصيلها الممكنة، والمستحيلة.
يقتطعون مبالغ من مصروف أبنائهم، ليُعيّد الأيتام من أبناء الجيران، الغاية أن يعم الفرح، وتجري مياهه في «سكيك» الفريج بيتاً بيتاً.. فذلك عنوان عريض في حياة مسكونة بالتكافل الاجتماعي. كان السرور راسخاً، جذوره ممتدة، ومعالمه واضحة، في الأعين وعلى صفحات الوجوه الباسمة.
مواعيده مقدسة محفوظة في ذاكرة الصغار قبل الكبار، كانت الرزنامة المعلقة تنضح بسيل من الأفراح والأحداث ذات اللون والطعم والرائحة.. التي ظلت حكاياتها حبيسة الأسوار القديمة، والأحياء المسكونة منذ الأزل لترويها الجدات، فمن حظي بالعيش في كنف تلك الأحياء لابد أنه ذاق حلاوتها، وما عاشوه صغاراً لا يُضاهي ما حكته الجدة عن طفولتها.
يعيش الأطفال في هذه الأيام من كل عام، فرحة «حق الليلة»، التي تُصادف النصف من شعبان، يُحييها الصغار بفرح خجول، بينما يتمسك بها الكبار ممن راكمت طفولتهم سرور الحدث وأوصتهم بإحيائه مدى العمر. تُجهز للحدث حقائب خاصة، تحتضن حلوى الليلة بأصنافها التقليدية الأحب إلى القلب، وتجول في الفريج ناثرة البهجة في بيوته عبر أهازيج حق الليلة.
وبين الجوز و«البرميت» وحلوى الجيلي و«الزلابيا» يستوطن مذاق الليلة، وكل تلك الأصناف على بساطتها مازالت ترمز للحدث.
اليوم لا يحبذ الأطفال ذلك المذاق، فهناك دائماً ما هو أطيب من حفنة مكسرات وحلوى عتيقة. بينما يجتهد الكبار للاحتفاظ ببقاياها، عبر «توزيعات» في المدارس، وأخرى في «الفريج» وعدد لا بأس به لزملاء العمل، فيبدو أن فرحة «حق الليلة» ضاعت بين صغار لم يتعرفوا إليه، وكبار حاربوا البدعة.
فضل
في الثقافة المحلية، يرتبط الموروث بالعقيدة بشكل واضح، فكل ما توصي به السنة النبوية يكون محل تقدير عبر ممارسات وعادات معينة، فيستحب الأهالي الصيام والإكثار من زيارة الأرحام، حيث كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام فيه ويقول (هو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ).
العادات المرتبطة بحق الليلة، تنتشر في عدد من دول المنطقة، ويُصادف الاحتفال فيها بالنصف من رمضان مثل عمان وقطر حيث يسمى «قرنقعوه» و«قرقيعان» في الكويت. ليس الحديث عن «حق الليلة» وشرعية إحيائه التي اختُلف عليها بين موروث تقليدي أو مناسبة دينية، بل عن مناسبات كانت ومازالت جزءاً من الثقافة المحلية المتوارثة، لا يمكن شطبها أو القفز من فوقها عند تناول تراث المنطقة، أو فرحة ارتبطت بطقوس بثت الروح في العلاقات الاجتماعية ورصّت صفوفها.
لاتساع الحياة كذلك وقع وأثر، فالزمن يتمدد عند أطراف المدن الحديثة التي ارتحل إليها البشر، فلا هي اعتادت تلك الطقوس، ولا هم يتقاطعون معها في أحداث الطفولة، الأعياد بقيت كامنة في جدران قديمة وحكايات تداولوها كذكرى، وتداولها جزء من بقائها، فالمناسبات الماضية خزانة تحفظ تفاصيل الهوية وحاضر الوطن.
أمل الفلاسي
