بين الحين والآخر تتعرض حدود الشريعة الإسلامية لهجوم شديد، خاصة من بعض الجهات والمؤسسات الغربية التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان، وذلك تحت زعم أن هذه الحدود التي شرعها الله تتنافى مع حقوق الإنسان..
وقد وصل الأمر إلى حد قيام منظمة أميركية تدعى «مسلمون ضد الشريعة» بالإعلان عن تلقيها تبرعات من جنسيات أميركية وأوروبية لدعمها في أنشطتها الهادفة إلى إلغاء الشريعة الإسلامية ومقاومة تطبيقها بدعوى أنها لا تتوافق مع متغيرات العصر.. والملاحظ أن هذا الهجوم لم يقتصر فقط على الحدود، وإنما طال أيضًا العقوبات التعزيرية، والتي يقوم القاضي بتوقيعها على مرتكبي بعض الجرائم مثل السب والكذب.
د.عبدالله النجار أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر يفند هذا الهجوم.. مؤكدا أن الشريعة الإسلامية تتميز بعدة خصائص تميزها عن القانون الوضعي؛ لعل أبرزها: مساواة الشريعة الإسلامية بين الجميع في العقوبة انطلاقًا من مبدأ «لا حصانة لأحد في الإسلام».. في الوقت الذي تستثنى فيه القوانين الوضعية بعض الشخصيات المهمة من العقوبة؛ مثل رؤساء الدول وذوي النفوذ وأعضاء الهيئات التشريعية من قانون العقوبات أو بعضه، وتتميز قواعد الشريعة الإسلامية أيضًا بالمرونة فلا يجوز تطبيقها إلا بشروط وضعها المُشرع فلا يقام الحد في حالة الإكراه أو النسيان أو الإضرار أو الجهل لعدم قصد الجاني.
يضيف النجار أن كل العقوبات الحدية قائمة على مبدأ فقهي هو «درء الحدود بالشبهات» حيث لا تنفذ الحدود على مرتكبي الجرائم لشبهات قد تبدو للقاضي أثناء الدعوى أو الإجابة أو شهادة الشهود، وذلك إعمالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم»، وفي هذه الحالة تتحول العقوبة الحدية إلى عقوبة تعزيرية تأديبية بضوابط معينة تهدف إلى التآلف ورجوع المذنب وتوبته وزجر الآخرين عن ارتكاب نفس الجرم.
ويوضح د.مصطفى مراد أستاذ الفلسفة الإسلامية أن هناك شروطًا معينة لابد من توافرها عند تطبيق كل حدٍ على حدة، ففي حالات السرقة على سبيل المثال يجب أن يكون السارق بالغًا وعاقلاً ومختارًا، وأن يكون المسروق مقدارًا معينًا من المال، وأن يكون قد أخذ من حرز؛ موضحًا أن هناك أوقاتاً وظروفًا معينة قد لا يطبق عليها حد قطع اليد الخاص بجريمة السرقة مثلما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أبطل هذه العقوبة الحدية في عام «الرمادة» حينما كانت هناك مجاعة.
يؤكد مراد أن الحدود الإسلامية تتميز بعدة مميزات أهمها مبدأ التأجيل؛ حيث لا يجوز تنفيذ الحد على الحامل ولا النفساء ولا المرضعة ولا المريض الذي يتضرر من العقوبة.. وفي هذه الحالات يتم تأجيل تنفيذ الحد إلى أن تزول أسباب هذا التأجيل.
ويقول المفكر الإسلامي د.مصطفى الشكعة عضو مجمع البحوث الإسلامية سابقًا: «إن التخلق بالأخلاق الحسنة والتوبة إلى الله ورجوع المذنب عما بدر منه هو الجوهر الأساسي من تطبيق الحدود الإسلامية التي لا تهدف إلى تشويه الأبدان، وإنما إلى زجر وردع كل من تسول له نفسه ارتكاب أي جريمة؛ فالمذنب إذا عوقب بعقاب الله تعالى فإن ذلك سيكون كفيلاً برجوعه إلى الله ومعرفته والتوبة إليه، خاصة إذا علم جيدًا أن هذا الحد قد شرعه الله وأنه سيكفر عنه ذنبه».
وبالرغم من ذلك ـ كما يضيف الشكعة ـ فإن تطبيق الحدود له شروط متى توافرت جميعًا يتم تطبيقها، وإذا لم تتوافر لا يتم تطبيقها، وهذا ما فعله مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في غلمان ابن حاطب بن أبى بلتعة حينما سرقوا ناقة رجل من مزينة فقد أمر بقطعهم، ولكن حين تبين له أن سيدهم يجيعهم درأ عنهم الحد وغرم سيدهم ضعف ثمن الناقة تأديباً له، والقاعدة «الحدود تدرأ بالشبهات».
ويشير الشكعة إلى أن العقوبة التعزيرية في الإسلام الغرض منها هي الرحمة فإذا كان هناك تداخل في العقوبات للجرائم المتعددة في الحق الواحد توقع عقوبة واحدة.
ويرى د.عبدالحي عزب عميد كلية الدراسات الإسلامية جامعة الأزهر فرع بني سويف أن تطبيق الحدود الشرعية كفيل بمنع الجريمة في المجتمع المسلم، فعلى مدار التاريخ الإسلامي لم يطبق حد السرقة إلا في أضيق الحدود، وعلى عدد محدود جدًا لا يتجاوز العشرات مع كل هذه الملايين من البشر حيث استقر في وجدان المسلمين أن السرقة جريمة من الجرائم التي تهدد الأمن الاجتماعي وتستحق هذه العقوبة البدنية الأمر الذي ترتب عليه ابتعاد الغالبية العظمى عن هذه الجريمة.
ويوضح عزب أن الإسلام وضع عقوبات صارمة لعدد من الجرائم، وهذه العقوبات لا تتغير بتغير الزمان أو المكان من أجل حماية النفس والمال والعرض، ومن هذه الجرائم القتل والسرقة والزنى وهتك العرض، وفي الوقت نفسه هناك عقوبات تعزيرية متروكة للقاضي الغرض منها إعادة المخطئ للطريق المستقيم، وهذه العقوبات يجب تجديدها بمرور الأيام والأحداث.
ويؤكد عزب أن القاضي وولي الأمر عليه أن يأخذ في اعتباره حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، وذلك أثناء إصداره لحكم يحتوي على عقوبة تعزيرية، والتي يكون الهدف منها هو إعادة المخطئ إلى طريق الاستقامة، أما إذا كانت العقوبة قد نتج عنها بُعد المخطئ عن الحق وتعنته وبعده عن الدين ففي هذه الحالة تكون العقوبة خاطئة، ولابد من أن يقوم من وضعها بالتوبة إلى الله، بل يجب على عموم الناس أن يسعوا إلى عزل هذا القاضي لأنه لم يصدر أحكامًا تعزيرية جيدة.
ويوضح د.حامد أبو طالب عضو مجمع البحوث الإسلامية أن من يهاجمون الحدود التي شرعها الله تعالى يتخذون هذا الموقف انطلاقًا من نموذج غربي يقدم بدن الإنسان على أفعاله وجرائمه التي قد تهدد أمن الآخرين، بل أمن المجتمع كله، مشيرًا إلى أن النظام الإسلامي كل متكامل، وبالتالي فلا مجال لفهم حدوده الشرعية إلا من خلال فهم طبيعة النظام وأصوله ومبادئه، وفي الوقت نفسه لا يجوز تطبيق هذه الحدود إلا في إطار تطبيق النظام كاملاً.
ويضيف حامد أن هناك شروطًا مجتمعة يجب توافرها حتى يتم تنفيذ الحد المرتبط بالجريمة، وهو ما يجعل من الصعب تنفيذ أي حد.
