الحفاظ على القيم الحضارية الأخلاقية والمبادئ العليا في المجتمعات الإسلامية هو موضوع الساعة، لأن هذه القيم باتت مهددة نتيجة الصراع بين تلك المثل وبين الانحلال الفكري والثقافي المتواصل، وإن مما اهتمت به السنة النبوية الشريفة اهتماماً بالغاً، وعنيت به عناية فائقة، إبراز القيم الحضارية في موضوع ترابط المجتمع الإسلامي بين أفراده، فرسمت للمسلمين أطراً عاماً ومنهجاً تاماً، فإن تمسكوا به وساروا عليه زال عنهم ما وقعوا فيه من التفكك والتخلف والتخاصم والتخاذل، وسادت المحبة والألفة والإخاء وعم التسامح والترابط والوفاء.
ولهذه الأهمية البالغة في هذا الجانب الحيوي المهم للمجتمع الإسلامي ـ ولاسيما بعد ما تبدل كثير من القيم الحضارية والمثل العليا التي أرساها الإسلام، وتغير النظر إليها تأثراً بقيم واردة وأفكار وافدة على المسلمين. لقد اهتم الإسلام والسنة المشرفة ببيان القيم الحضارية في حسن تعامل الناس مع السلطان وولي أمر المسلمين، وحث صلى الله عليه وسلم أمته على طاعة ولي الأمر في قوله: (من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني)، فلا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعته والانقياد له، في المعروف وفي غير معصية الله تعالى.
ومن المبادئ الحضارية العليا في السنة النبوية حسن التعامل مع الأهل والأولاد، فالزوجة الصالحة هي خير متاع الدنيا للرجل يقول صلى الله عليه وسلم (الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) وقد جعل الإسلام لكل منهما حقوقاً على الآخر، بأدائها تكون أجواء الأسرة موحية بالأمن والراحة لهما وللأبناء ولجميع أفراد الأسرة، ولاشك أن الأولاد هم زينة حياة الإنسان وهو مسؤول عنهم وعن تربيتهم وتأديبهم وتعليمهم، والنفقة.
وأبرزت نصوص السنة المطهرة القيم المثلى في التعامل مع الوالدين وذوي القربى، فالتعامل مع الأب والأم اللذين هما العمودان الأساسان للبيت له تأثيره الخطير إيجاباً، وسلباً فالأب القائد الذي تقع في عهدته مسؤولية توجيه الأسرة، والوقوف بوجه كل ما من شأنه تهديد كيان الأسرة، والأم لها الدور الأكبر في توجيه الأولاد الوجهة الصحيحة؛ فالعلاقة المتينة والترابط الوثيق بين الولد ووالديه هما مصدر الاستقرار في البيت، وهما المنهج السليم في مجال التربية والتهذيب، ليعيش على الفضيلة مساهمين مساهمة فعالة في بناء المجتمع الفاضل.
وبينت السنة أن العلاقة الطيبة بين الأرحام والأقرباء الأقرب فالأقرب، سبب الترابط والتآلف والتلاحم والتعاون بينهم، ودافع قوي لحصول الاستقرار الأسري والاطمئنان النفسي لجميع الأفراد، ثم للمجتمع برمته.
والسنة أولت اهتماماً بالغاً بحسن التعامل مع الجيران، وبينت حقهم بياناً شافياً، مما يدل على وجوب تفقد حاله والإحسان إليه ففي الحديث (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) فحفظ حق الجار والصبر على ما قد ينال منه من كمال الإيمان.
ويجب على المسلمين جميعاً أن يكونوا أحباء أصدقاء متكاتفين فيما بينهم، وأن يتحلوا بالآداب الإسلامية الحميدة الكريمة، ليكونوا جسداً واحداً وأمة واحدة، وفي الحديث (المسلم للمسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) وإن الذي يعامل الناس معاملة حسنة بلطف وطلاقة وجه يكون في عيشة راضية، في جنة عالية، وصدق المؤاخاة مع الناس هو سبب تأليف القلوب بين الناس، ووسيلة السعادة والفلاح في الدارين.
ومن القيم الكريمة التي اعتنى بها الإسلام أن يكون المسلم حَسَن التعامل مع الخدم فقد جاءت وصية الرسول صلى الله عليه وسلم في حسن معاملة العبيد والخدم وتقدير ظروفهم، وبيَّن أنهم إخوان لهم جعلهم الله تحت أيديهم، فقال صلى الله عليه وسلم (فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم).
ومما يدل على كمال الإسلام بحضارته وقيمه العالية وتعاليمه السامية اهتمام السنة النبوية ببيان كيفية التعامل مع غير المسلم، حيث إن المسلمين في أول عهدهم بمكة عايشوا المشركين، وكانوا يتعاملون معهم في كثير من شؤون الحياة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالاً يحتذى في حسن تعامله وعدله ورحمته مع مختلف الفئات من غير المسلمين، وكانت حياته تجسيداً عملياً لكل ما كان يدعو الناس إليه من حميد الصفات وكريم الأخلاق.
إن القيم الحضارية والشيم الإسلامية في السنة النبوية المطهرة واضحة في منهاجها، كاملة في أهدافها ومقاصدها، حيث عنيت أيما عناية ببيان الصفات الكريمة الفاضلة الدالة على معالي الأخلاق، والمرشدة إلى مبادئ المكارم، والمعينة على تقوية الصلات والروابط بين المسلمين.
ومن هذه الصفات: الصدق والوفاء والأمانة والصبر والرفق والتواضع وهي مصدر الفلاح، ومنبع الخير والصلاح، ما ارتفعت الأمة إلا بها، فالخير كل الخير والفلاح كل الفلاح في الصبر والرفق واللين والوفاء وهذه الصفات هي سبب التآلف والترابط بين إخوانه المؤمنين.
وخصوصا الصبر اذ له أهمية كبيرة في الإسلام، فهو من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، وفي الحديث (فلا إيمان لمن لا صبر له) وقد أوذي النبي صلى الله عليه وسلم أشد الإيذاء فصبر وتحمل وقال: (قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر)، وتعين هذه الصفة الحميدة على نشر المحبة وتآلف القلوب بين أفراد المجتمع، واتصاف الشخص بها دليل على سعة صدره وكمال عقله ورزانته في التصرف.
ومن شيم الإسلام النبيلة وقيمه الحضارية الجليلة الإخاء والحياء،حيث أرسى الإسلام دعائم الأخوة الإسلامية بين أبنائها،وهي أقوى من كل رابطة بين الناس، أخوة أساسها التقوى والعقيدة والإيمان. ولما كان التحلي بمعالي الأخلاق ومكارمها يستلزم ضرورة التخلي عن مذمومها، كان لابد من إبراز هذه الأخلاق السيئة التي تحطم صروح القيم ومكارم الأخلاق.
وجعلت الحضارة الإسلامية تهتز من قواعدها، فقد حذرت السنة النبوية عن الغيبة والنميمة، وهما خصلتان محرمتان من كبائر الذنوب وعظائم المعاصي، ومن الأمراض الاجتماعية الخطيرة الفتاكة، التي تفرق بين الأحباب، وتبث السموم في المجتمعات، وجاء في الغيبة والنميمة ومخاطرهما وعيد شديد في أحاديث صحيحة؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم (إن شر الناس ذو الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه).
وجاءت نصوص السنة النبوية بالزجر والوعيد عن الكذب وهو صفة ذميمة وذنب كبير، وهو من سمات أهل النفاق، ينبذه أصحاب الطباع السليمة الراشدة.

