الحقيقة أنني لا أحب الاتصالات الهاتفية التي تأتيني في ساعات الصباح الأولى لأنني أشعر دائماً بأن وراءها مصائب، لذا عندما رنّ هاتفي النقال الساعة الثالثة فجراً قلت في نفسي اللهم أعني على هذا الصباح
كان المتصل على الطرف الآخر هو المصور في المختبر الجنائي ورغم أنني حاولت ألا أجيب إلا أنه لم يتركني في حال فقد بعث لي برسالة على هاتفي النقال يقول لي فيها «انظر إلى الصور التي على بريدك الالكتروني» حينها وجدت بأنه لا مفر من الاستيقاظ ومعرفة ما يجري.
الانتقال إلى موقع الجريمة
كانت الصور التي وصلتني على بريدي الالكتروني «مرعبة» بحق، فقد كانت تظهر امرأة في العشرين من عمرها بيضاء البشرة وقد خرجت أمعاؤها من بطنها والدماء تغطي الجزء السفلي كله من جسدها.
كان واضحاً أن عصابة اختطفتها وسرقت أجزاء من جسمها مثل القلب أو الكبد أو الكلى ثم تركتها على هذه الحالة المزرية.
عندما وصلت إلى موقع الجريمة كانت الأجهزة الأمنية قد أخذت الجثة إلى المختبر الجنائي وكان الجميع ينتظرون تقرير المختبر الجنائي لمعرفة المزيد عن الضحية وسبب وطريقة قتلها والأجزاء الداخلية التي سُرقت من جسمها.
كان الجميع يشعرون بأنهم أمام تحدٍّ كبير وأنه لا بد من الإيقاع بالعصابة التي قامت بهذا العمل الشنيع، وإلا قد يتكرر المشهد في أماكن أخرى من جديد.
صدرت الأوامر بألا تصل أي معلومة عن الحادث إلى وسائل الإعلام حتى لا ينتشر الخوف بين الناس، خاصة أنه سبق ذلك نشر خبر عن مقتل طفلة في ظروف غامضة.
كان الضابط المسؤول عن التحقيق متوتراً للغاية فهو يشعر والطاقم الذي معه بأن المعلومات عن الضحية تعادل صفراً في الوقت الذي بدأت جهات عليا الضغط عليه لأن يتحرك بسرعة من أجل القبض على الجناة.
عندما جاء تقرير المختبر الجنائي كان مفاجأة للجميع، فقد أشار إلى أن الأجزاء الداخلية للمرأة سليمة ولم يُسرق من أعضائها الداخلية شيء.
لكن المفاجأة هي أنها كانت حاملاً وأن الطفل لا يزال في أحشائها. وأشار التقرير إلى أن المرأة في الحادية والعشرين من العمر بيضاء البشرة شقراء الشعر طولها 176 سنتيمتراً ووزنها 55 كيلوغراماً فصيلة دمها «A+».
كما تم مع التقرير إرسال بصمات أصابع يديها وقدميها والـ «خء» وكل شيء يتعلق بها من الناحية الطبية والتحليلية، وأكد التقرير أن السيدة كانت حاملاً بجنين أنثى وتبلغ من العمر 4 أشهر إضافة للـ «خء» للجنين كانت الصور التي تم التقاطها للضحية واضحة للغاية.
خاصة الوجه، لذا كانت هذه الصور هي الأمل الأول في محاولة فك لغز هذه المرأة ومعرفة شخصيتها خاصة وأن الجهات الأمنية عندما فتشت ملابسها لم تجد ما يدل على شخصيتها، ولكن كان واضحاً بأنها كانت تعيش حياة مترفة وأنها زوجة لشخص ثري أو أنها ابنة أسرة ثرية، فقد كانت ملابسها ومظهرها والخاتم غالي الثمن الذي كان في اصبعها كلها شواهد تدل على أن لها مكانة اجتماعية.
الرجوع إلى الملفات
بدأت الأجهزة الأمنية تبحث عن صورة المرأة من خلال الرجوع إلى الملفات الخاصة بالأجانب وبعد بحث طويل تم العثور على صورة للمرأة، لكن للأسف لم تكن هناك بصمات لأصابعها في الملف.
إلا أن الأوصاف التي كانت في ملفها تطابق بنحو 95% من الأوصاف التي جاءت في تقرير المختبر الجنائي، وعليه بدأت الجهات الأمنية تتقصى الحقائق حولها وعن شخصيتها وارتباطاتها.
كانت المعلومات تشير إلى أنها جاءت مع إحدى البعثات الدبلوماسية وأنها مربية لابن السفير وتشير سيرتها الذاتية إلى أنها تنتمي إلى إحدى دول أوروبا الشرقية وأنها حضرت مع أسرة السفير قبل سنتين.
هنا أصبحت الأمور تتخذ منحى آخر، حيث بدأت الجهات الأمنية تتعامل مع الموضوع بحذر شديد ولكن دون التفريط بالثوابت الأمنية.
عند الاتصال بالسفارة، أشار المتحدث إلى أن السيدة تعمل فعلاً لدى أسرة السفير وأنها خرجت في إجازتها الأسبوعية كما هو معتاد حيث إنها متعودة أن تقضي يوم الأحد مع بعض أصدقائها.
في اليوم التالي أرسلت السفارة شخصاً من قِبلها حيث تعرف على السيدة وطلب تقريراً عن الحادث حيث تم تزويده بكل شيء عن القضية.
هنا طلبت الجهات الأمنية من السفارة تزويدها بأسماء أصدقاء الضحية لعل ذلك يساعد في حل لغز مقتلها، لكن السفارة أخبرت تلك الجهات بأنه لا علم لها بأسماء أصدقائها لكنها رجّحت أن يكونوا من نفس بلدها.
وطلبت السفارة أن يتم تزويدها بكل ما يستجد، خاصة وأن مقتل السيدة التي تربي ابن السفير شيء خطير، فقد يصل القاتل إلى ابن السفير أو السفير نفسه أو أي أحد من أعضاء السفارة.
حاولت الجهات الأمنية معرفة الأرقام التي كانت تتصل بها السيدة لكن السفارة أشارت إلى أنها كانت تستخدم هاتفها النقال وأنه ليس لدى السفارة سجل بأية اتصالات قامت بها الضحية من هاتف السفارة أو من منزل السفير.
طلبت الجهات الأمنية الهاتف النقال للضحية لكن السفارة قالت إنه ليس لديها معرفة أين الهاتف وأنه قد يكون اختفى من أجل إخفاء عملية القتل، لكن السفارة أعطت رقم هاتف الضحية للجهات الأمنية.
بدأت الجهات الأمنية تتبع الاتصالات التي تمت عن طريق هاتف الضحية والمكالمات التي استقبلتها على هاتفها فكانت اتصالات مع أهل الضحية في بلادها إضافة إلى زوجة السفير والسفير وسيدة أخرى في السفارة.
بدأت المسألة تتعقد، فمن هم أولئك الأشخاص الذين كانت تذهب معهم الضحية، وكيف كانت تتصل بهم وكيف كانوا هم يتصلون بها.
والسؤال الأكبر الذي بدأت الجهات الأمنية تطرحه: هل عملية القتل هذه ستؤثر على أي من أعضاء السفارة، وهل القتيلة كانت تعرف أسراراً وهربتها إلى أحدهم وبعد أن أخذ منها كل شيء قتلها حتى يتخلص منها؟ لكن بالمقابل، من هو أب الجنين، وهل هو من داخل السفارة أم من خارجها؟ الكثير من الأسئلة كان يجب طرحها، وكان من المفروض أن تجد الإجابة عنها إلا أن المشكلة هي أن عملية التحقيق مع أي من أعضاء السفارة تخضع لقوانين وأعراف دبلوماسية من المستحيل تخطيها.
السلطات العليا
كان لا بد من تحويل القضية إلى السلطات العليا التي خاطبت بدورها سلطات أعلى منها، ورغم أن القضية خرجت عن عباءة الضابط المسؤول عن التحقيق فيها، إلا أنه بقي يتابعها ليعرف من هو القاتل.
عندما تم إبلاغ الدولة التي ينتمي إليها السفير أخذت الأمر على محمل الجد، ولهذا أرسلت فريقاً من المحققين إلى السفارة لكشف الغموض، فهؤلاء المحققون يستطيعون أن يحققوا مع جميع أعضاء السفارة، لكن الجهات الأمنية التي كانت تتابع القضية لا يمكنها ذلك بسبب الحصانة الدبلوماسية.
طلبت الجهات الأمنية تزويدها بكل ما يتوصل إليه المحققون، حيث أخذ التحقيق اتجاهين، أحدهما داخل السفارة ويقوم به المحققون الذين جاءوا من بلد السفير، والاتجاه الآخر خارج السفارة والذي تقوم به الجهات الأمنية.
كان واضحاً أن الضحية لم تكن لها علاقات خارج علاقتها بالمحيط الذي تعيش فيه، لأنه من خلال مراجعة مكالماتها لمدة ستة أشهر ماضية لم تتصل بأحد خارج نطاق العاملين بالسفارة، خاصة السفير وزوجته وأهلها.
إضافة إلى ذلك أنه تسربت معلومات مفادها أن الضحية لم تكن تخرج في نهاية الأسبوع لتقضي يوماً مع أصدقائها كما قيل لأنه لم يكن لها أصدقاء أصلاً ولأنها عندما كانت تخرج كانت تخرج مع السفير وزوجته.
معلومات أخرى تسربت من السفارة أيضاً تفيد أن الضحية حاولت العودة إلى بلادها خلال الأيام القليلة التي سبقت مقتلها إلا أن أسرة السفير رفضت ذلك بحجة أنه لا يوجد من يعتني بابنهم.
كان باستطاعة أجهزة التحقيق أن تصل إلى المعلومات التي تريدها، لكن الأعراف الدبلوماسية والحصانة التي كان يتمتع بها الأشخاص المشكوك في أمرهم حالت دون ذلك. لأن المعلومات التي كانت تصل إلى الأجهزة الأمنية كانت تؤكد أن فريق التحقيق الذي وصل من بلد السفير يحقق مع الجميع بدون استثناء وأن التحقيقات صارمة للغاية، وهذا كان مهماً لإظهار الحقيقة والوصول إلى الفاعل.
بعد نحو أسبوعين من وصول فريق التحقيق الذي كان يحقق مع أفراد السفارة، تسلمت الجهات الأمنية طلباً من السفارة مفاده أن السفارة تريد تسلّم جثة الضحية والجنين لتعيدها إلى بلادها.
إلا أن الجهات الأمنية تحفظت على الطلب وقالت إنه لا يمكنها فعل ذلك قبل أن تعرف ما وصل إليه التحقيق مع طاقم السفارة خاصة وأن أحد أفراد الطاقم قد يكون متورطاً في قتل الضحية.
حاولت السفارة أن تتهرب إلا أنها لم تتمكن من ذلك، فقد كان رأي الجهات الأمنية أن الجريمة وقعت على أرضها ومن حقها أن تعرف كل شيء، وأن هذا الملف يجب أن يُغلق بتوجيه التهمة إلى أحدهم.
في الوقت نفسه تلقت الجهات الأمنية دعماً من الجهات المسؤولة العليا تطالبها فيه بالثبات على موقفها وعدم تسليم الضحية والجنين إلا بعد أن تتسلم تقريراً من السفارة عن سير التحقيقات خاصة وأن أصابع الاتهام تشير إلى أن أحد أعضاء السفارة هو الذي تورّط في القضية، وقد يكون أكثر من واحد.
بعد نحو أربعة أيام تسرّبت معلومات جديدة تفيد بأن وفد التحقيق قد غادر ومعه التقارير الكاملة عن كافة جوانب التحقيق، وأن وفداً آخر يضم شخصاً برتبة عقيد وشخصين برتبة رائد وصلوا إلى السفارة. وأن الوفد تابع لحماية أمن السفارات في الخارج وأنه موفد من قِبل الدولة التي يمثلها السفير.
من خلال الرتب لأعضاء الوفد كانت المؤشرات تدل على أن الأمر ليس عادياً، بعد وصول الوفد الأمني تلقت الجهات الأمنية رسالة تفيد بأن السفارة على استعداد لتسليم الجهات الأمنية تقريراً كاملاً عن سير التحقيقات الخاصة بمقتل الضحية مقابل الحصول على جثة الضحية والجنين. وفعلاً جاء التقرير، حيث أشار إلى أن السفير متورط في القضية وأنه هو والد الجنين، وأنه هو الذي قتل السيدة مربية ابنه.
إلا أن التقرير لم يشر إلى كيفية قتلها أو أين وقعت عملية القتل وكيف وصلت الجثة إلى المكان الذي وُجدت فيه. كما أكد التقرير أن الوفد الأمني جاء لاعتقال السفير وأنه رهن الاعتقال فعلاً وأنه سيُسفر إلى بلاده خلال أربع وعشرين ساعة.
تم تسليم الجثة والجنين إلى السفارة، أما الضابط الذي كان مسؤولاً عن متابعة القضية فقد أغلق الملف وهو يقول هناك أشياء كثيرة أخفتها السفارة علينا، وما زلنا نجهلها بسبب الحصانة الدبلوماسية.
أمسك الضابط بقلم حبر جاف أحمر وكتب على الملف بخط كبير «قضية سعادة السفير».
إعداد ـ أحمد سلطان
