الأسوار لا تزال قابعة، كحصون قديمة متهالكة، تتصل بخيط خفي في ذاكرة بعيدة، سهلة التداعي.. عصية على النسيان، في جزيئاتها المتراصة حتماً رائحة الطفولة، آثار طين الجدران المحترق بلفحة شمس صيفية لا تبرح البشرة، دليل الإدانة في رحلات متسللة إلى بيت الجيران تتخفى عن أعين مترصدة، لتقطع الطريق على رحلة يومية ممتعة ذكراها لا تزال حلوة، بالرغم من غياب أبطالها واختفاء بعض ملامحها.. العلاقة هي توليفة الإنسان والمكان وجزء في حكاية أبطالها الجيران.
الفناء يبدو اليوم أضيق مما كان. الحائط لا يمكن تسلقه اختصاراً لعناء الطرق الملتوية فذلك تصرف غير حضاري حتماً، ويبدو أن القلوب لم تعد تتسع، وقد أوصدت الأبواب البنية احتراماً للخصوصية، بالرغم من رقعة شاسعة يستلقي عليها البنيان ذي الأبواب المتعددة، هناك أبواب مغلقة، وأخرى تُفتح عند الحاجة لأسباب عدة، ظاهرها حفاظ على الطفولة من ضياع على الرصيف، وأخرى، يعرفها أصحاب تلك البيوت جيداً.
رحم الله طفولته. وحيد أبويه الذي تقاسم خبز تلك العلاقة الشقية الحميمة الوفية مع أترابه من أبناء الجيران، لا يزال يتحدث عنها لأبنائه بتفاصيلها الحية، ورائحتها الشهية، وأسرارها الخفية، الحساء الذي كان يحتسيه مساءً مع أبناء «بو راشد» بعد حفنة الدروس التي كانت تلقنه إياها علياء ـ ابنة الجيران ـ مع إخوتها، وجبات الضرب الجماعية التي كان يتلقاها مع أبناء الجيران بذنب تواجده معهم، الهدايا والعيدية، أمسيات الصيف والتسكع البريء على «سيفة» البحر، جميعها صور باقية، وماض قريب استمتعوا بحلوه وتقاسموا مره، ساهم بطرق متفاوتة في تربية الجيل، وغرس مفاهيم يعصى تفسيرها على أبناء اليوم. لعل العناوين تبدلت، والحياة اتسعت، والقلوب ضاقت، والأعذار أكثر من أن تُحصى، بين أغراض الدراسة وعقد الحياة الاجتماعية وكلام آخر غير مفهوم.
مفهوم
الحديث عن الجار حميم وخاص، بكل ما ينضوي عليه من مشاعر إيجابية أو سلبية، هو علاقة راسخة تعزز أخلاقيات أهمها الكرم والوفاء والتسامح، تنبع بصورة أساسية من الثقافة الإسلامية التي كرمت الجار في مواضع عديدة من القرآن الكريم والأحاديث النبوية، فالمصطفى صلى الله عليه وسلم قال «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سَيُورِّثه».
فهو يوازي منزلة القربى أو يجاوزهم مكانةً، وقرب الأماكن عادةً يولد قرب القلوب، والجيرة يبدو علاقة متصلة، فلا يمكن أن ترتبط الأمهات بعلاقة ما دون أن تتأثر بها البنات حتماً، أكان استلطافاً أم بُغضاً، فما هو مشروع للكبار حق للصغار أيضاً، كان من الصعب أن تستمر علاقة سلوم الصغير بابن الجيران راشد بعد أن تشاجر الوالدان على مرأى «الفريج» وتم استدعاء الشرطة لفض الخلاف الذي استمر ساعات.
الموقف حتماً لا يحتمل، كل الحرص على بياض الصفحات، فتلك أشياء متصلة وعلاقات باقية، الشابان تصالحا اليوم بعدما أدركا أنهما ضحية خلاف ميت، بينما الوالدان غارقان في قطيعة دفع ثمنها الأبناء.
هي أيضاً شيء من العدوى الجميلة، والقوانين التي تفرضها تلك العلاقة المتفردة، تخرج مريومة من بيتهم بكامل أناقتها، وما أن تصل إلى بيت الجيران حتى تستغني عن «نعالها» في محاولة لمجاراة الباقيات، فكم من مرة أصيبت مريومة بجروح في قدميها جراء سلوك جماعي اعتادته بنات الجيران عند اللعب كنوع من التآلف بكل شيء محيط.. فنحن لا نخلع أشياءنا إلا عندما نشعر بالأمان، وكذلك في الفريج.
عودة
حكايات الجيران مادة تشعل الحنين، وتبث الروح في أوراق قديمة، تُعيد وجوه غائبة وتنفض الغبار عن عادات نتداولها اليوم في فقرات التراث. هي تتذكر جيداً عوشة ابنة الجيران التي زينت كفيها بنقوش الحناء عروساً قبل زهاء ربع قرن، تلك التي رسمت على يديها معالم الفرح الأول، ما زالت وجهاً مرتبطاً بذكرى الزواج، تستعيدها مع بناتها على الدوام.
العلاقة ترتبط طردياً بمفاهيم عدة، أهمها الإحساس بالآخر، والتوحد به، والحرص على تواجده في الأحداث الخاصة على بساطتها. جلسات «الفوالة» الصباحية التي لا تتجاوز مكوناتها خبز وتمر وقهوة، تتسلل رائحتها عبر النوافذ المشرعة و«السكيك» الضيقة مُنبئة بحلول وقت اللقاء.
عند الحديث عن الجيران، لا بد من التوغل في تفاصيل أعمق، تُحيي المشهد بألوانه وأصواته ورائحة البخار المتصاعد من القدور وقرقعة «المواعين» كان العرف ألا يعود الإناء من بيت الجيران خالياً حتى وإن بالقليل، لا بد أن يتقاسم الجميع محتوى القدور التي ذاعت روائحها في «الفريج»، «عشان الناس ما ينفسونا».. فالعيش والملح لا تحجبه الجدران، بل تشهد عليه الأواني و«الطوس» التي داخت جيئة وذهاباً بين بيوت «الفريج» دون أن تتلف أو تضيع.
غياب
اليوم لا «طوس» ولا غيره، هناك أوان متحضرة مصنوعة من الألمنيوم أو البلاستيك، تستخدم لمرة واحدة فقط، تذهب ولا تعود، كما ذكريات الجيران تماماً، يسهل تذكرها ولا يمكن بث الروح فيها.
في معمعة الحياة وصخب اتساعها، يلتقي الجيران في موجات بكاء على الأطلال، وتنادم على أيام صادقة، محت ذكراها الحلوة كل ما عكر صفوها. تُفاجأ بحزن بانتظارها على الهاتف، تغرورق عيناها بالدموع تحبس العبرة في صوتها إثر خبر انتقال جيرانها إلى مسكن جديد، «والله متى تحولتوا؟ بالبركة عليكم، سامحونا إن قصرنا وياكم والا أذيناكم.. ترانا مانيوز عنكم».. وتركت الباب موارباً أمام المزيد من اللحظات المشتركة.
تلك دعوات صريحة لاحتواء تلك اللحظات مجدداً، وترميم ما تبقى منها، اليوم.. يكفي التفاخر بها، أو تمني عودتها.. فكما قالت فيروز « ينساني الزمان.. على سطح الجيران»..
أمل الفلاسي
