حرصت السنة النبوية الشريفة على غرس القيم الحضارية في المجتمع المسلم وعملت على رعايتها وتنميتها وترسيخها في نفوس المسلمين؛ كي تثمر أخلاقًا حسنة، ومناهج رائعةً يسلكها المسلمون في شتى مجالات الحياة، والذي يطلع على أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويتمعن فيها يلحظ اعتناء السنة بهذه القيم، واهتمامها بترسيخها في النفوس؛ لما لهذا الأمر من أثر بارز في رقي الأمة المسلمة، وبناء حضارتها ونهضتها وعزها.
ونظرًا لتعدد القيم المستخلصة من أحاديث السنة، وكثرتها واتساع مجالاتها فإن هذه الدراسة اقتصرت على بيان دور السنة النبوية الشريفة في غرس القيم الاجتماعية والأخلاقية وترسيخها في نفوس المسلمين من خلال الأحاديث التي تتحدث عن المسجد فقط؛ لأن المسجد يعد مؤسسة اجتماعية ومنبرًا روحيًا وساحة أخلاقية، كما يعد نموذجًا مصغرًا للمجتمع المسلم عمومًا. وهنا أذكر بإيجاز مثالاً للقيم الاجتماعية التي تحض على رعاية المرأة واحترامها والاهتمام بحقوقها: فالإسلام اهتم بالمرأة وحرص على رعايتها وإعطائها حقوقها بعد أن كانت سلعة تباع وتشترى وتدفن حية...
وفي السنة ما يدل على أن النبي أراد من خلال أقواله وأفعاله أن يؤكد على هذا الاهتمام، فحديث حمل أمامة في الصلاة يدل على ذلك بوضوح: فعن أبي قتادة الأنصاري قال «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص، وهي ابنة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها».
فقد أراد صلى الله عليه وسلم تغيير الصورة السيئة للمرأة عند العرب وكراهتهم للبنات، وعدم التفريق بينهن وبين الذكور في المحبة والرعاية والاهتمام.
وقد كرَّم الإسلام المرأة واحترمها ولم يضطهدها أو يحجر عليها أو يأمر بحبسها في بيتها للخدمة ونحو ذلك كما يدعي أعداء الإسلام، بل جعل لها حرية الخروج، وممارسة النشاط الإنساني، والتمتع بمباهج الحياة من غير فتنة أو ريبة.
وها هي السيدة عائشة رضي الله عنها تعود أباها وبلالاً -وهو غريب عنها- إثر وعكة أصابتهما وتسأل عن حالهما، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وعك أبو بكر وبلال رضي الله عنهما قالت: فدخلت عليهما قلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟...»، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: «باب عيادة النساء الرجال، وعادت أم الدرداء رجلاً من أهل المسجد من الأنصار».
وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تنظر إلى لعب الأحباش في المسجد من خلف النبي صلى الله عليه وسلم حتى تَمَل. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبَشَة يَلعَبُون في المسجد حتَّى أَكون أنا التي أسأم، فاقْدُروا قَدْرَ الجارية الحديثة السنِّ الحريصة على اللَّهو».
ولم يمنع الإسلام من مخالطة المرأة في أي حال من أحوالها حتى وإن كانت حائضًا في حين كانت المرأة في بعض الأديان تترك لوحدها وتعزل حال حيضها كأنها قذر ينبغي اجتنابه.
وبالإضافة إلى حضور المرأة إلى المسجد للصلاة فإنها كانت تمارس بعض الأعمال فيه فعن أنس بن مالك قال: «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نُخَامَةً في قِبْلَةِ المسجد فغضب حتى أحمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فَحَكَّتْهَا، وجعلت في مكانها خَلُوقًا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا ». فهذا التصرف الذي حصل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم واستحسانه له، يدل على مكانة المرأة واحترامها في الإسلام.
ومما يؤكد على هذا المعنى ويدل عليه بوضوح تلك الروايات التي تذكر أن امرأة من الأنصار هي التي حظيت بشرف عمل المنبر للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كان يخطُب إلى جذع نخلة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما «أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه، فإن لي غلامًا نجارًا قال: إن شئت، قال: فعملت له المنبر...».
ومن جملة أخرى من الأحاديث تم استنباط القيم الأخلاقية التي تحث على الصبر والإخلاص والتواضع والوفاء والعفة والرفق والتيسيير، واستخلصت القيم الذوقية والجمالية التي تحث على أن يكون المرء نظيفًا في بدنه وثوبه ومكانه، وألا تقع عينه على قبيح وألا يَشم إلا أطيب ريح ولا يُشم منه إلا كذلك وألا يسمع إلا أحسن الأصوات، فيصبح حسه الذوقي مرهفًا فيشمئز من كل قذر وقبيح.
فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على أمور وحذرهم من أمور قد تبدو صغيرة في أنظار البعض إلا أنها تدل على رقي في الذوق كبير، منها سنته صلى الله عليه وسلم في السواك واستعماله في أوقات مختلفة وخصوصًا عند الوضوء والصلاة.
ومنها منع مَنْ أكل الثوم والبصل من ارتياد المسجد، كحديث: «من أكل البصل والثُّوم والْكُرَّاث فلا يَقْرَبَنَّ مسجدنا فإنَّ الملائكة تتأذَّى ممَّا يتأذَّى منه بنو آدم ». ويقاس عليه كل ما يتأذى به الناس، فيكون لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة به حتى تزول.
وفي حديث الأذان الذي يرويه عبد الله بن زيد إشارة واضحة إلى تلك القيم الجمالية التي حرصت السنة على ترسيخها في النفوس، من خلال تدريب الأذن على سماع أندى الأصوات وأجملها بعبارات تعبدية تتكرر خمس مرات في كل يوم وليلة، فعندما أخبر عبد الله بن زيد النبي صلى الله عليه وسلم عن الرؤيا التي رأى الأذان فيها، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ هذه لرؤيا حقٍّ، فقم مع بلال فإنَّه أنْدَى وأَمَدُّ صوتًا منك، فألقِ عليه ما قيل لك ولْيُنَادِ بذلك...».
فهذه السنة التي تحث على أن يكون المرء نظيفًا في بدنه وثوبه ومكانه، وألا تقع عينه على قبيح، وألا يَشم إلا أطيب ريح، وألا يسمع إلا أحسن الأصوات، في عبادته في المسجد وفي شأنه كله؛ لهي سنة ترسخ أعلى القيم الحضارية في الذوق والجمال.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه القيم إذا ترسخت في النفوس، فإنها وإن كانت ظاهرية إلا ان فوائدها ستنعكس على باطن المرء وجوهره؛ لأنه لا يصح أن يحرص الإنسان المسلم على جماله الخارجي، ويكون قلبه وأفعاله بلا ذوق ولا جمال، فمن صفا ظاهره استجابة لأمر الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يصفو باطنه وتستقيم تصرفاته وفق منهج الشريعة الإسلامية، وإلا كان منافقًا والعياذ بالله تبارك وتعالى.
د. مازن حسين حريري
أستاذ الفقه المقارن المساعد ـ كلية الآداب ـ جامعة تعز ـ اليمن

