قيل إن من أعمدة السعادة أن يكون المرء راضيا عن نفسه، واثقا من تصرفاته حتى لو تعرض لنقد جارح طالما أنه ملتزم بالصراط المستقيم، فالسعادة تهرب من حيث يدخل الشك أو الشعور بالذنب.

ولا شك أن هذا كلام جميل لو تمسك به المسلم في حياته سواء في علاقاته مع زملاء العمل أو حتى في البيت أو في أي مكان آخر يتعامل فيه مع الناس.

والمسلم الواعي هو الذي يعمل على كسب ثقة الناس كي يستطيع توصيل ما يريده إليهم، والوسيلة الفعالة لإقناعهم هو الصدق في التعامل وفي الحديث معهم، وإذا تعرض لنقد مؤلم من قبل بعض الأشخاص عليه الا يعيره اهتماما طالما أنه على حق وأنه يعمل ما يرضي الله تعالى أولا، ثم من يتعامل معهم ثانيا وعليه كي يعيش في سعادة دائمة أن يكون واثقا من تصرفات.

ويعرف كيف يتسرب إلى قلوب الناس لينال حبهم وإعجابهم، وهذا يتطلب منه أن يتحلى بالأخلاق الفاضلة التي علمنا إياها المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، فكان صلى الله عليه وسلم دائم البشر، لين الجانب، وكان يعطي كل جلسائه نصيبه ومن سأله حاجة لم يرده الا بها أو بميسور من القول، والناس في مجلسه متعادلون، يتفاضلون بالتقوى.

كما علمنا أيضا أن لا يكثر المرء من المراء والجدل العقيم في المزاح الزائد عن الحد وأن يترك الإنسان ما لا يعنيه، وكان صلى الله عليه وسلم لا يذم أحدا ولا يعيره ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وقد أشار إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تؤذوا عباد الله، ولا تعيروهم ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من تطلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح).

كما بين لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن المؤمن يألف ويؤلف فقال: المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف. رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.

المسلم الواعي هو الذي يضع هذا الهدي أمامه مسترشدا به في تعامله مع الآخرين كي يكسب ودهم وثقتهم وكي ويريح نفسه من القيل والقال والخوض مع من يخوض في أحاديث غير مقيدة حتى لا لا يشعر بالندم والحسرة على الوقت الذي يضيع هباء، الأمر الذي يجعله يشعر بالضيق، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وهذا ولا شك يساعد على إراحة النفس وتحقيق السعادة التي ينشدها كل إنسان.

وهذه وصية هامة لأبي الدرداء رضي الله عنه للاسترشاد بها والانتفاع منها، فقال رضي الله عنه: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يعظم حلمك، ويكثر علمك، وأن تباري الناس في عبادة الله عز وجل، فإن أحسنت حمدت الله تعالى وإن أسأت استغفرت الله عز وجل.

وقد بين لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم كيف نتقي شرار الناس، فقد استأذن رجل عليه كما تقول السيدة عائشة رضي الله عنها فقال إئذنوا له بئس أخو العشيرة، فلما دخل الان له الكلام، فقالت عائشة يا رسول الله، قلت الذي قلت ثم ألنت الكلام! قال: أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس (أو ودعه الناس) اتقاء فحشه.

ولكي تزداد سعادة الإنسان عليه أن يبتعد عن مخاطبة الناس بما لا يليق كي يحبه الناس، وعليه أن يتحلى بالحكمة دائما في تعامله ولا يحاسب الآخرين دائما على كل هفوة.

روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لا تكلفوا الناس ما لم يكلفوا، ولا تحاسبوا الناس دون ربهم، ابن آدم عليك نفسك، فإنه من تتبع ما يرى في الناس بطل حزنه ولا يشف غيظه.

وقال رضي الله عنه: لا تزالون بخير ما أحببتم خياركم وما قيل فيكم بالحق فعرفتموه، فإن عارف الحق كعامله، وقد بين لنا المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه جزاء المستهزئين بالناس فقال في الحديث الشريف المروي عن الحسن رضي الله عنه حيث قال صلى الله عليه وسلم: إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم في الآخرة باب من الجنة فيقال هل هلم، فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاءه أغلق دونه، ثم يفتح له باب آخر فيقال له هلم هلم، فيجئ بكربه وغمه، فإذا جاءه أغلق دونه، فما يزال كذلك حتى إن أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة فيقال له: هلم، فما يأتيه من الإياس.

حامد واكد