زارتهم في أحد المساءات الهادئة، على عادة ذلك الزمن، الذي يزيل الأسوار ويمحو الحواجز باعثاً دفء الإنسان في المكان. تقتنص لحظات السمر، وتستأنس ليلها الوحيد مع جارتها، في فناء المنزل القديم يتسامرون حتى وقتٍ متأخر من الليل، لا تضبطه ساعة تلك الأيام.

يغمر المكان موج من التآلف محدثاً مداً لا يُفسر بظواهر طبيعية، الحيوان والجماد كانا جزءاً من شيفرة تفسيره. القطة على الرمل القريب تتقلب بشكل مستمر، بينما التسامر على أشده. بفضول ظاهر قطع دفء الأحاديث، علّقت: حد بييكم من السفر اليوم. ونقطة على السطر، لم يكن سؤالاً.. إحساس خفي، أم حاسة سادسة؟. ـ بسذاجة، ردت الصبية: لا خالتي، نحنا سكرنا الباب، ما حد بيينا. عادت الجارة لتأكيد قولها مستعينة بقراءة حركات القطة، التي لا تخيب أبداً كدليل على قولها. كانت ثواني أماطت اللثام عن طرقات باب، تنبئ بعودة غائب في ساعةٍ متأخرة.

اتضحت ملامح أكثر، كانت العائلة قد ودعت ابنها مسافراً للالتحاق بالدراسة في الخارج، وبينما كان بانتظار موعد الطائرة في أحد المطارات، بعد استراحة ترانزيت، استغرق في النوم متخلفاً عن موعد الرحلة التالية، فما كان منه إلا العودة أدراجه مجدداً ناقماً على النعاس، بينما اكتسبت الجارة ثقة بنظرتها الثاقبة وحدسها الخارق.

ارتباط

هل ارتباط مكونات البيئة على اختلافها، يبوح بأسرار غيبية؟ هل كانت القطة ساحرة؟ لا. هي كائنهم الأليف المتواجد في محيطهم دائماً، علها أداة تستجيب فقط لمؤشرات خفية. هل كانت الجارة على علم بتلك الحادثة، في زمن افتقر إلى وسائل الاتصال الحديثة؟

يُسلم الأهالي بقدرة بعض الأشخاص ممن يحوزون على قدر واف من الإيمان على قراءة وتفسير حركات تلفظها الحيوانات أو الجمادات كنذير بأحداث تولد حينها، أو أحوال تختزل مشاعر أصحابها، بينما هم ينوءون ببوح تفاصيلها. فالجارة كما يقولون كانت دينة، ومطوّعة.

تلك إحدى الحوادث التي تتخذ فيها الإشارات دور البطولة. وتُنبئ بالأحداث قبل وقوعها، لا تقف عند القطة بل تتجاوزها إلى غيرها من الحيوانات.. فعلى ما يبدو أن الزائر يرسل ذبذباته، قبل وصوله بفترة، تسمح باقتناص السر، وبثه في الهواء المحيط إيذاناً بقدومه، من خلال كائنات معينة.

في الثقافة المحلية، تلجأ الدجاجة إلى الرمل، وتفرد ريشها بطريقة تسمح له بالتمدد بحركة مميزة وانحناءة ملحوظة، بينما تقصد الإنذار بقدوم أحدهم؛ فيعرف أهل البيت بأن هناك زائراً ما يتأهبون لاستقباله، تلك الإشارات ترسل بطرق عدة، تماماً مثل وسائل الاتصال الحديثة، فقبل الإيميل والإس إم إس أو الماسنجر أو حتى البلاك بيري، كانت هناك الدجاجة والحشرات والزواحف التي تبوح بقدوم ما، فأنثى البرص.

كما يسميها الأهالي الثعيبه الصامتة، تخرج عن صمتها وتصدر صوتاً متقطعاً عند مكوثها على الجدار فقط لتخطر بزيارةٍ ما، أما «بو البشّير» - حشرة العيسوب- فيخبر عن زيارة ما بطريقته الخاصة يميزها بطيران دوراني مكثف في الفناء، فكما اسمه تماماً، هو يبشر بزيارة في المستقبل القريب.

جميل جداً، وسائل اتصال بدائية ولكنها تبدو غاية في التآلف، وهي تؤدي مهمات مستعجلة، لغايات تؤكد انسجاماً تاماً بين الكائنات، وتفرداً لا يوفره البلاك بيري، الذي استفحل كوباء ويخترق عوالم خاصة.

قراءة

في محاولة لتصنيف تلك التنبؤات، نجدها أقرب إلى علم الفراسة، وهو ما يُعرف بأنه قراءة ظواهر الأمور لتفسير بواطنها بواسطة الإلهام. ويُعد الفيلسوف اليوناني أرسطو أول من كتب عنه، بينما عرف العرب والمسلمون الفراسة قديماً على يد علماء برعوا به على رأسهم الرازي وابن سينا وابن الجوزية، وخضع العلم لتدوين ومراحل من التطوير على يد الأوروبيين، حتى عرف باسم الباراسيكولوجي، وينقسم العلم إلى أفرع عدة، تشمل فراسة اقتفاء الأثر وملامح البشر وخط اليد وغيرها.

بين صدقها ومحاولة تصديقها وتثبيتها في الذاكرة والسلوك، تصيب وتُخطئ تلك الإشارات، هي ربما تحتاج لمن يُجيد قراءتها، المزيد منها يوحي بتوغلها في أدق التفاصيل غير المقصودة، حذار أيتها المتزوجات أن يصل طرف شيلتك إلى أذنك دون إحساس منك بذلك، سيما في حضرة من يجيد قراءة تلك الإشارات، فتلك علامة بأنك غير سعيدة في حياتك الزوجية أو بالعامية «ريلج مشقنّج»، أو في تفسير آخر صحته ليست بجيدة. الخلاصة لا بد أن يندس إحساسك في مكان ما، ينكشف للآخرين، جميل.. شعور يُشبه قراءة الفنجان.

تأمل

دلالات أخرى، تطيّر منها الأهالي في الثقافة المحلية، وعمدوا إلى ممارسة بعضها درءاً للحسد أو العين، فلا يجوز «كنس» أو تنظيف الفناء بعد خروج أحد من أهل البيت، أو من نرتجي زيارته مجدداً، فذلك سلوك يمسح أثره ويقطعه. وخلافاً لذلك، يلجأ بعضهم في مكان آخر إلى كسر «قلة» أو جرة، خلف من يثقل الزيارة، ويجدون طريقة لـ «قطع رجله» عن المكان. أما من يخشى الحسد، فليلبس ثوبه مقلوباً، فهو بحسبهم سلوك يرد العين ويبطل مفعولها.

ليت الرسائل تصل بسهولة كسر الجرة، أو الامتناع عن تنظيف الأرض لفترة محدودة، يزول بعدها ذلك الأثر، تلك فقط تأملات في زمن معقّد، وقراءة في دفاتر قديمة.

أمل الفلاسي