لقد ظهرت قضية المسنين في مجتمعات مادية في فكرها وتعاملها، ومن ثم نشأ عن ذلك مشكلات دعتهم إلى البحث عن حلول لها، ومعالجتها، بينما لم تظهر في المجتمعات التي التزمت بمنهج الإسلام، وطبقت الإرشادات والتوجيهات النبوية التي تخصهم وتحض على إكرامهم ورعايتهم وحسن التعامل معهم.
إن مفهوم المسن في السنة المطهرة أخذ بعداً حضارياً متميزاً ؛ فهو مصطلح مرادف للتقدير والاحترام، والجدير بالرعاية والحماية، والاهتمام، قال صلى الله عليه وسلم :«ليس منا من لم يعرف حق كبيرنا، ويرحم صغيرنا». أما هذه الحقوق فهي: 1- توقيره وإجلاله: لقوله صلى الله عليه وسلم :«ليس منا من لم يوقر الكبير، ويرحم الصغير». 2- حفظ شرفه : لقوله صلى الله عليه وسلم :«ليس منا من لم يعرف شرف كبيرنا». 3- إكرامه : لقوله صلى الله عليه وسلم :«إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط». - الرجوع إليه في المهمات : لقوله صلى الله عليه وسلم :«البركة مع أكابركم». وفي لفظ «الخير مع أكابركم«.
5- عدم الاستخفاف به : لقوله صلى الله عليه وسلم :«ثلاثة لا يستخف بحقهم إلا منافق: ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط».
6- تقديمه بالكلام: لقوله صلى الله عليه وسلم : كبّر ؟ الكُبر في السن -، أو قال : ليبدأ الأكبر»
7- تقديمه بالطعام : لقول حذيفة : «كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع فيه»
8- ابتداؤه بالسلام: لقوله صلى الله عليه وسلم : «يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير».
9- تقديمه في المناولات، وسائر الأمور : لقوله صلى الله عليه وسلم: أراني في المنام أتسوَّك بسواك فجذبني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي :كبِّر، فدفعته إلى الأكبر».
10- توسيع المجلس له : لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يوسع المجلس إلا لثلاث، لذي علم لعلمه، ولذي سلطان لسلطانه، ولذي سن لسنه».
11- زيارته والإتيان إليه : لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : «لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه».
12- تقديمه في رعاية الأسرة بعد وفاة أبيه : جاء عن حكيم بن قيس بن عاصم أن أباه أوصى عند موته بنيه، فقال : اتقوا الله، وسوِّدوا أكبركم، فإن القوم إذا سوَّدوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا سوّدوا أصغرهم أزرى بهم ذلك في أكفائهم».
13: - تقديمه في إمامة الصلاة لقول مالك بن الحويرث : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وصاحب لي، فلما أردنا الإقفال من عنده قال لنا : «وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم»
14- بره إذا كان والداً، وصلته إذا كان قريباً : لقوله صلى الله عليه وسلم : «من سره أن يُمد له في عمره، ويزاد له في رزقه فليبرَ والديه، وليصل رحمه».
ثالثاً : إن الرخص والتخفيف التي شرعت في الإسلام إنما تشمل المسنين بسبب المرض لا باعتبار السن فقط ، وهذا من خصائص الإسلام في رعاية هذه الفئة، إذ إنه أدمج المسنين في المجتمع، ولم يميزهم بأحكام خاصة بهم، حفاظاً على مشاعرهم، وإبقاءً على حيويتهم من أن تمس.
وعليه فإن فقهاء المسلمين لم يفردوا أحكاماً خاصة للمسنين، إذ ليس للمسن أحكام تخصه إلا إذا وصل لمرحلة الضعف الشديد أو صاحبه مرض ما، وعندها فإن الرخص التي تشملهم هي رخص لهم باعتبار عدم الطاقة والمرض لا باعتبار السن فقط، ولهذا نلاحظ في بعض النصوص تقييد «الشيخ» بالفاني، والهرم، والكبير، والزمن، والضعيف وما إلى ذلك .
وهناك توجيهات نبوية عامة ترشد إلى التخفيف عن المسن ورفع الحرج عنه لا بأس بذكر نماذج منها : قوله للذي نذر أن يمشي: إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، وأمره أن يركب.
رابعاً : وقد تكفل البحث أيضاً بإبراز موقف السنة النبوية من علم ظهر حديثا في علم الطب أطلق عليه علم «مكافحة الشيخوخة». وقد أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة، وسأعرض نتائج ما توصلت إليه في أمور: الابتعاد عن الإرهاق ولو كان بالعبادة: لقوله عليه الصلاة والسلام : «فإن لجسدك عليك حقاً».
النظام الغذائي السليم والمتوازن
العناية بالنظافة: جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث توجه المسلمين إلى أهمية النظافة، ولا شك أن هذا التوجيه له أثر كبير في في حماية الإنسان من الأمراض، والمحافظة على صحته.
ممارسة الرياضة: ينصح الأطباء بممارسة الرياضة البدنية، وأن الإنسان الذي لا يخصص (30) دقيقة من يومه للرياضة فإنه سيخسر الوقت الكثير مستقبلاً بالأمراض، وزيارة الأطباء والمستشفيات.
التداوي من الأمراض: من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العناية بالصحة الجسدية أنه أمر بالتداوي، وحث عليه، وأرشد إلى أن « لكل داء دواء».
هناك أدعية صدرت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستعاذة بالله من عدد من الأمراض التي يمكن أن تصيبه وهي بالإضافة إلى كونها من الأدوية الإلهية النافعة من الأمراض ما وقع منها، وما لم يقع، هي أيضاً توجيهات نبوية ترشد الإنسان إلى الابتعاد عن كل أسباب المرض قبل وقوعه. وتوجد بعض الأدعية مما له صلة بمكافحة الشيخوخة لكي يحافظ عليها المسلم في شبابه وشيخوخته:
1- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ فيقول: «وأعوذ بك من الهرم».
2- وكان يقول: «وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر».
3- وكان يقول : «اللهم إني أعوذ بك من الجنون، والجذام، والبرص، وسيء الأسقام».
4-وكان يدعو فيقول :« اللهم متعني بسمعي وبصري،واجعلهما الوارث مني».
5- وكان يقول : «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر
6- ومن ذلك الدعاء بتوسيع الرزق عند كبر السن : فقد كان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه:« اللهم اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سني، وانقضاء عمري».
د.عبد السميع الأنيس

