قال الشيخ: يقول الحق سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.

يغفر لكم ذنوبكم ويسكنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين)، والمتأمل في هذه الآية الكريمة يقف عند شيئين مهمين: الأول هو ان التجارة الأهم والأعظم في حياة الإنسان هي التجارة التي تربحه آخرته وما فيها من نعيم خالد لا يفنى، وكل خسارة تهون دون هذا الفوز الذي لا آخرة له ولا نهاية، في حين ان الحياة الدنيا مهما قست واشتدت فهي عابرة، وأي ألم ينتهي فهو مع الصبر والعزيمة واليقين بعون الله مقدور عليه.

والشيء الثاني: ان الحق سبحانه وتعالى وعد من آمن وعمل صالحاً وصدق معه في جهاده ومكابدته بالفوز بالآخرة، وفي الوقت نفسه من علينا بما قد تستعجله نفوسنا من النصر والفتح والظهور في الدنيا قبل الآخرة، وهذا ما يجب ان نسلم به يقيناً وفيه مفتاح الفرج ورفع كل بلاء بإذن الله.

الصبر والتقوى هما مفتاحا كل باب للنصرة والرزق والنجاح والسعادة في الدنيا قبل الآخرة، فالحق سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم (إن العاقبة للمتقين) ويقول (والعاقبة للتقوى) ويقول (وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً)، ويخبرنا عن يوسف عليه الصلاة والسلام قوله (أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا انه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين).

والحق سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً. ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ان الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً)، ويقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية الكريمة فيما رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا: لو عمل الناس كلهم بهذه الآية لوسعتهم. وعود الله عز وجل واضحة قاطعة، وتقرير الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم صادق وثابت، والسؤال الذي يجب ان نطرحه على أنفسنا: هل نؤمن بهذه الوعود يقيناً؟ فان قلنا نعم فان الدواء بين أيدينا وقد رفع البلاء بإذن الله.

والصبر هو مصداق الرجولة الحقة، والحياة ليست هينة لينة بالنسبة لكل إنسان مسلم أو كافر- كما ترى كل الأعين- والناس يصبرون على أنواع الحرمان والجهاد والتعب والألم، إلا ان المسلم يزيد على غيره بأجر عظيم يمن به الله على الصابر ويكون خيراً وعوضاً له، وبوعد صادق منه سبحانه وتعالى بأن الصبر يفتح أبواب الفرج ورفع البلاء والنجاح والنصرة، وبشرف كبير في ان يكون صبره حظاً بشرياً من اسم الله الصبور.

والمحزن الذي رأيناه في هذه الأيام التي ابتلينا فيها ببعض الشدائد ان مخزون الصبر عند أكثر الناس كان أقل بكثير مما يجب، فسرعان ما خارت القوى وانهارت العزائم وجأر كثيرون بالشكوى وظهر السقوط والانهيار أحياناً، وما هكذا يكون تلاميذ مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.

وأما التقوى فنحن نتقي كل شيء ولا نتقي الله كما يجب- ولنستغفر الله- نتقي الحر والبرد، والقلة والفقر، والمرض والحوادث، وانظروا إلى ما نفعله أفراداً وجماعات في مواجهة الأمراض التي تظهر يوماً بعد يوم وقاية تصل إلى حد الوسواس، أما المعاصي والآثام والخبائث والمحرمات فنخوض فيها دون حذر غير مقدرين ان سخط الله إذا نزل لا راد له، وان الله يدفع عن المتقين كل ما يسوءهم.

ماهر سقا أميني