جدلٌ كبيرٌ تشهده الساحة الفكرية الإسلامية بشأن عدد من القضايا التي فرضت نفسها مؤخرًا؛ لعل أبرزها ما يرتبط بموقف الشرع من عملية نقل وزراعة الأعضاء البشرية، وكذلك الأزمة العالمية التي يقف العالم أمامها عاجزًا؛ إضافة إلى الجدل المثار بين السنة والشيعة.. من هذا المنطلق جاء هذا الحوار مع د.نصر فريد واصل المفتي السابق للديار المصرية.. فإلى تفاصيل الحوار.

- رغم مرور أشهر عديدة على الأزمة المالية العالمية إلا أن دول العالم جميعها مازالت تقف عاجزة أمامها.. كيف ترى الحل من وجهة نظرك؟

أؤكد أن الحل هو تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية في الاقتصاد.. وهذا ليس مجرد كلام أو انحياز لشريعة ديننا الإسلامي، وإنما هو نتيجة يتوصل إليها أي باحث اقتصادي موضوعي ينطلق من مقدمات ليصل إلى نتائج.. فبالنظر إلى أسباب الأزمة نجد أنها تتركز في تطبيق المبادئ العلمانية في الاقتصاد، والتي تقدم على تعامل المؤسسات البنكية والتجارية بالربا؛ الأمر الذي يؤدي حتمًا إلى نتائج كارثية ليس على الاقتصاد القومي أو اقتصاد الأفراد والمؤسسات فقط، وإنما على جميع النواحي الاجتماعية أيضًا حيث تسود الرشاوى ويتكرس الاحتكار والتدليس، وذلك تحت مسميات عديدة مثل السوق الحر وآليات السوق وغيرها.. والإسلام يرفض كل هذا ويرفض الأسباب التي تؤدي إلى هذا وهي الربا، وبالتالي فإن تطبيق أسس الشريعة الإسلامية في الاقتصاد يقطع الطريق أمام كل هذا.

- في أقطارنا الإسلامية مازال البعض يدعو إلى الأفكار الليبرالية والعلمانية سواء على المستوى الاقتصادي أم السياسي.. كيف نواجه هذه الأفكار من وجهة نظرك؟

الجدال بعقلانية مع هؤلاء أفضل وسيلة لمواجهة هؤلاء الذين يدعو إلى هذه الأفكار تحت عباءة مسايرة مستحدثات العصر.. والجدال بعقلانية يعني التعريف بحقيقة الإسلام وسماحته وسمو أهدافه الإنسانية، والتي تعلو على أي أهداف أخرى أنتجها العقل البشري في مجتمعات أخرى قد لا تتواءم أو تتماشى مع طبيعة مجتمعاتنا الإسلامية.. فلكل مجتمع معطياته الثقافية والفكرية والروحانية، وبالتالي فما يصلح لمجتمع قد لا يصلح لآخر إن كان يصلح بالفعل للمجتمع الأول، وبالتالي فإن هذه الأفكار قد لا تتماشى مع معطيات مجتمعاتنا.. أو أعتقد أنه بتعريف هؤلاء الدعاة للأفكار العلمانية حقيقة ما يدعون إليه قد يساهم في رجوعهم عن أفكارهم.. هذا ما حدث مع كثيرين من المفكرين الذين تعرفوا على حقيقة الإسلام وسماحته فرجعوا عن طريقهم الخاطئ.

- كيف ترى قانون زراعة الأعضاء شرعًا؟

إذا كان إنقاذ إنسان من هلاك محقق لا يتم إلا بأخذ جزء من غيره حيًا أو ميتًا، ولم يجد وسيلة أخرى لمنع هذا الهلاك إلا بأخذ جزء من غيره فإن ذلك جائز شرعًا شريطة عدم إلحاق ضرر بالمنقول منه.

- على أي أساس شرعي بنيت هذا الرأي؟

هذا الحكم يدخل في باب الإذن الشرعي الذي فيه إحياء للنفس التي أمر الله عز وجل بإحيائها في قوله تعالى {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا} [المائدة: 32]، والشريعة الإسلامية أمرت باتخاذ الإنسان كل الوسائل التي تحافظ على ذاته وحياته، ولذلك أوجبت عليه عند المرض اتخاذ كل سبل العلاج والشفاء، وفي ذلك يقول : «ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء»؛ ولذلك رخصت الشريعة الإسلامية للإنسان عند الاضطرار أن يتناول من المحرمات التي حرمها عليه ما يمنع عنه الهلاك.. كما أن هذا الرأي يدخل في إطار باب التضحية والإيثار الذي أمر الله تعالى به في قوله تعالى {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر: 9].

ولكن هل هناك شروط شرعية تحكم عملية نقل وزرع الأعضاء؟

نعم هناك شروط مثل ألا يكون العضو المنقول مؤديًا إلى اختلاط الأنساب، وأن يكون الميت المنقول منه قد أوصى بهذا النقل في حياته وهو بكامل قواه العقلية، ودون إكراه مادي أو معنوي؛ كما يشترط أن يكون المتوفى قد تحقق موته بالمفارقة التامة للحياة موتًا كليًا، ويستحيل عودته للحياة مرة أخرى بشهادة ثلاثة من أهل الخبرة، ويشترط أيضًا أن يكون هذا النقل دون أي مقابل مادي أو معنوي.

- هناك من يعترض على نقل الأعضاء البشرية.. ويرون أنه لا يحق للإنسان التصرف فيها.. كيف ترد على هذا الرأي؟

يجب التأكيد أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وكرمه، والإنسان مملوك لله وحده، وليس لأحد من الخلق أن يتصرف في هذا الخلق تصرفًا يضر به أو يؤدي إلى إفساده أو هلاكه لأن ذلك محرم ومنهي عنه شرعًا.. ومن صور هذا الإفساد أو الهلاك أن يلحق الإنسان الضرر على ذاته أو جزء من أجزائه لأن الإنسان لا يملك نفسه.. إلا أن الأمر يختلف هنا فيما يتعلق بنقل الأعضاء، لأن تصرف الإنسان في جسده يكون بغرض تحقيق مصلحة له ولغيره، فالولاية الشرعية التي بينها الله للإنسان لأن يتصرف في ملكه في حدود الإذن بما يحقق مصلحة شرعية.

- النقاب.. إحدى القضايا الجدلية التي اختلف بشأنها علماء الدين ما رأيك؟

الزي الشرعي للمرأة هو أن ترتدي ما يستر بدنها ما عدا الوجه والكفين.. وإن زادت على ذلك أي لبست النقاب فهو منها، وهذا يؤكد أن النقاب فضيلة للمرأة، وليست ملزمة به.

- ما موقف الإسلام من الفنون المختلفة؟

إذا كانت الفنون هادفة ولا تثير لدى الإنسان أي غرائز فلا مانع منها، وهذا ينطبق على الموسيقى إذا كانت هادئة وتثير السكينة.. أما إذا كانت الموسيقى مثيرة للشهوات فهي حرام، وما ينطبق على الموسيقى ينطبق على كل صور الفنون الأخرى.

- البعض مازال يطالب بتخصيص مساجد للنساء.. ما تعليقك؟

هذه مطالبة غريبة، ولا تستند لأساس شرعي، ولم يسبق في مختلف العصور الإسلامية أن خصصت مساجد للنساء وأخرى للرجال، فبيوت الله مفتوحة للجميع من المسلمين نساء ورجالاً، ولا توجد حاجة تقتضي عمل تخصيص مساجد للرجال وأخرى للنساء.

- هل تتعارض الفحوصات الطبية التي يجريها الرجل والمرأة قبل الزواج مع الدين؟

إطلاقًا.. لا يوجد تعارض من أي ناحية بين هذه الفحوصات والدين بالعكس فهذا الأمر مطلوب لأنه يوفر على الطرفين مشاكل كثيرة قد يتعرض لها بعد الزواج فقد يكون أحدهما مصابًا بمرض معين، وقد ينتقل هذا المرض للطرف الآخر، أو قد يتسبب ذلك في التأثير في النسل والإنجاب، وبالتالي فهذه الفحوصات مطلوبة ولا تتنافى مع الدين.