انعدام الوسطية اظهر الغلو في فهم الحقائق إفراطاً وتفريطاً، وولد تيارات وفرقاً سياسية وفكرية متطرفة يلعن بعضها بعضاً ويكفر كل أتباع طائفة، أتباع الطائفة الأخرى، فصرنا أشداء على إخواننا، رحماء على أعدائنا، أقوياء على من ساعدنا، أذلاء أمام من حاربنا.
وبعد صريح الآيات، وصحيح الروايات اتفقت كلمة العلماء في الفقه والأخلاق ونحوهما على أن الوسط هو خير الطرق وأقومها، وهو الموصل إلى الغاية المرضية من قبل الحق تعالى، والموافق لقصد الشارع المقدس، وكل ما خرج عن ذلك الحد مذموم ملوم ومحاسب دنيا وآخرة، والذي يراجع أبواب الفقه وفروعها المختلفة يقف على موارد كثيرة تدعو للأخذ بهذه القاعدة، ومن تلك الأبواب؛ الأطعمة والأشربة حيث يقول سبحانه (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) والإسراف خلاف الوسط كما أن الزهد حالة وسطى بين التمحض في الروحانيات والوغول في الماديات، والشجاعة كذلك وسط بين التهور والجبن وهكذا الأمر يجري في الاقتصاد، والاجتماع والعلاقات الإنسانية، حيث يقول سبحانه (واقصد في مشيك).
إن التوسط في الأمور دعت إليه شريعة السماء وتعاليم الأنبياء(عليهم السلام)، ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء عرف أن التوسط هو الموافق لقصد الشارع وغرضه، وما من كلية شرعية ألا وهي قائمة على التوسط، وأما التشديد المخالف للحكمة أو التخفيف المخالف لها أيضا فهو خروج عن روح الشرع.
وبما أن الإنسان مكون من سلالة من طين، ومن نفخة من روح، وأن لكل منهما مطالب وحاجات فقد جاءت التشريعات والتعاليم المرتبطة بها منظمة على أساس الأمرين مراعية (حق الروح) و(حق الجسد) فلا روحانية مقترة، ولا مادية مسرفة، بل تعادل وتوازن بينهما، لأن إهمال أحدهما إهمال للإنسان المكرّم.
وبما أن الإنسان تتحكم فيه نزعات فردية وتسلطية تتعارض مع النزعات الاجتماعية التي تأخذ قسطاً كبيراً من حريته، فإن الشريعة دعت إلى تنمية الحس النوعي عند الفرد لجعله يهتم بالآخرين كما يهتم بنفسه. فقد جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) انه قال: أعدل الناس من رضي للناس ما يرضى لنفسه وكره لهم ما يكره لنفسه.
فوسطية الإسلام لا تقتصر على جانب محدد وإنما شاملة للجوانب الأخرى، وتمكن مشاهدة ذلك في اغلب مجالات الدين والحياة.
وسطية بين الارتماء في أحضان الدنيا والرهبانية المنقطعة فقال تعالى في ذلك: «وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا» (القصص: 77)
وقال «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة» (البقرة: 201) ووسطية بين الإسراف والتقتير حيث يقول: (والذين أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) (الفرقان: 67) ويقول «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا» (الإسراء: 29)
إن القصد في المعيشة من الأمور التي أولتها الشريعة كامل الاهتمام وأفردت لها حيزا كبيراً من عنايتها، ولعل الأحاديث التي وردت في هذا الباب تزيد على كل ما جاء في الأبواب الأخرى، ومن جملة الأسباب أن استمرارية الحياة الإنسانية قائمة على الاقتصاد في المعيشة وفي كل شيء، فعن أيوب بن حر قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبد الله الحسن بن علي بلغني ان الاقتصاد والتدبير في المعيشة نصف الكسب فقال أبو عبد الله: لا بل هو الكسب كله، ومن الدين التدبير في المعيشة. ووسطية بين التكالب على الأكل والشرب والانقطاع عن الغذاء حيث قال تعالى «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا» (الأعراف: 31.
أحمد عبد المجيد