في ساعة مبكرة من صباح أحد الأيام تلقت غرفة العمليات الرئيسية نداء استغاثة من إحدى شركات الزيوت الخاصة بمحركات السيارات حيث أشار النداء إلى أن عاصفة من اللهب بدأت تجتاح مستودعات الشركة وأن براميل الزيت بدأت تتطاير في الفضاء بعد انفجارها مشكلة كتلة هائلة من النيران اندفعت الأجهزة الأمنية وفرق الإطفاء والإسعاف وذلك في محاولة لاحتواء الحريق. عندما وصلنا إلى المكان كانت ألسنة اللهب قد تجاوز طولها نحو 50 قدماً وكنا نشاهد براميل الزيت ترتفع إلى علو شاهق في السماء ثم تنفجر وفي كثير من الأحيان كانت عدة براميل ترتفع إلى السماء ثم تنفجر معاً، كانت المشاهد كأنها من أحد الأفلام التي تنتجها هوليوود.
عندما حاول رجال الإطفاء الاقتراب من الموقع كانوا يواجهون بألسنة النيران، ومع ذلك حاول البعض منهم معرضاً حياته للخطر، فقد كان يرى هؤلاء أن الواجب يتطلب ذلك.
كان من الصعب على سيارات الإطفاء أن تصل إلى النيران وحتى من وصل منها لم تتمكن من عمل أي شيء فقد كانت النيران تأكل كل شيء وكانت براميل الزيت لا تزال تنفجر وكل انفجار كان يزيد النار اشتعالاً.
مضى نحو ساعة ونصف الساعة والنيران كانت تزداد استعاراً فقد كان عدد براميل الزيت يتجاوز الـ 200 برميل وكانت كلها مملوءة عن آخرها.
أخيراً طلب مدير المختبر الجنائي الذي كان على رأس فريقه طلب من سيارات الإطفاء التي ترش الماء بالتوقف فوراً فقد كان رش الماء على النار يزيدها اشتعالاً، وذلك بعد أن أشار الجهاز الذي في سيارة مدير المختبر الجنائي إلى أن حرارة النار تتراوح بين 780 إلى 800 درجة مئوية وهذا يعني من الناحية العلمية أن رش النار بالماء يزيدها اشتعالاً، فمن المعروف أن الماء يتبخر على درجة حرارة 100 مئوية وبما أن الماء يتكون من ب2د ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأوكسجين، فهذا يعني أن الأوكسجين الذي في الماء يزيد النار اشتعالاً.
كانت الفكرة هي إلقاء (فوم) على النار من الجو لكن الطائرات التي تم إحضارها لهذا الغرض لم تتمكن من ذلك فقد امتدت ألسنة النيران إلى مخازن مجاورة تحتوي على عشرات الآلاف من إطارات السيارات ما زاد الأمر سوءاً حيث بدأت سحابة من ثاني أوكسيد الكربون تتكون في الموقع إضافة إلى النيران، لذا لم تتمكن الطائرات من الوصول إلى مركز النيران حيث كان الدخان يغطي المكان كله وأصبحت السماء سوداء حتى عندما أشرقت الشمس لم يكن باستطاعة أحد مشاهدتها بسبب سحابة الدخان التي غطت على كل شيء.
كان الجميع يريدون أن ينتهي هذا الكابوس إلا أن هذا لم يكن ليحدث قبل تبريد براميل الزيت حتى لا تنفجر وتستمر النار تتغذى على محتوياتها.
وأخيراً جاءت التعزيزات من كل مكان وأخذت الطائرات تلقي بحمولتها من (الفوم) وبعد نحو ثماني ساعات خمدت ألسنة النيران ولكن بعد أن أتت على كل شيء، فقد أذابت الحديد والزجاج ودمرت عدة مخازن كانت قريبة من الحريق، كما تصدعت مبانٍ كانت في محيط هذا الحريق الهائل والأغرب من ذلك أن بعض الجدران الاسمنتية تحوّلت بفعل حرارة اللهب إلى رماد. كان الأمر لا يُصدق ولكن هذا جزء بسيط من حقيقة تلك الفاجعة التي دمرت كل شيء وأكلت الأخضر واليابس.
بعد انتهاء الحريق تم تفقد الخسائر البشرية حيث تبيّن أن رئيس الوردية التي وقع الحريق في أثنائها قد وجد محترقاً في سيارة إطفاء في حين أصيب عدد آخر من العمال بجروح تراوحت بين الخفيفة والمتوسطة، أما الخسائر المالية فقد تجاوزت الـ 10 ملايين دولار على أقل تقدير.
شركة التأمين ترفض الدفع
تم تشكيل عدة لجان لبحث أسباب الحريق، لكن اللجان رغم دراستها لموقع الحريق إلا أنها كانت بحاجة إلى إفادات العمال الذين كانوا يتواجدون عندما شبّ الحريق، ولكون معظم هؤلاء العمال في المستشفى لتلقي العلاج فقد بدأت اللجان تتحرى عن أسباب الحريق إن كان بفعل فاعل أو أنه نتيجة لخطأ بشري أو نتج عن تماس كهربائي.
كانت لجان المختبر الجنائي هي أفضل من يحدد ذلك ولهذا طلبت هذه اللجان مشاهدة الأفلام التلفزيونية التي صورت الحريق فقد كانت ثلاث كاميرات تلفزيونية تابعة للمختبر الجنائي موزعة على أماكن مختلفة لتصوير كل شيء عن الحريق.
كانت اللجان قد توصلت إلى حقيقة مفادها أن تسرباً للزيت حدث من أحد المستودعات باتجاه البراميل المملوءة أصلاً بالزيت فقد تم تتبع التراب المحترق في المكان حيث تبين أن تراباً على مسافة تزيد على نصف كيلومتر محترق بنفس الدرجة وفي نفس الوقت تقريباً وهذا يعني أن التسرب امتد إلى هذه المسافة قبل أن تصل شرارة وتحول المكان إلى جحيم.
إلا أن السؤال الذي كان يحير فرق البحث هو من أشعل تلك الشرارة ورغم أن أحداً لم يكن متهماً لأنه ليس لأحد مصلحة في ذلك إلا أن افتراض الحريق قد حدث بفعل فاعل كان لا يزال قائماً، في حين ذهب البعض إلى القول بأن أحد العمال قد يكون أشعل سيجارة ورمى بعود الثقاب دون أن يشعر على الأرض التي كانت مشبعة بالزيت فحدث ما حدث، أو أن أحد العمال أراد أن يحضر قهوة أو شاي وعندما أشعل الغاز انفجر المكان لأن الأرض والهواء كانا مشبعين بالزيت.
إلا أن السؤال الذي طرحه أحد المحققين هو إذا كان تقرير المختبر الجنائي يشير إلى أن الزيت كان قد تسرب إلى هذه المسافة الكبيرة وهي نصف كيلومتر والهواء مشبع برائحته، فكيف لم يتنبه أحداً إلى ذلك.
تم استجواب جميع المسؤولين والعمال الذين كانوا في الموقع حتى الذين كانوا في المستشفى تم استجوابهم بعد أن تحسنت حالتهم حيث أجمع الكل على أنهم تفاجأوا بألسنة اللهب في كل مكان وببراميل الزيت تتطاير في السماء وتنزل عليهم حمماً ولهباً.
تابع الضابط الذي يحقق في القضية سير العمل في الموقع من خلال أجهزة الكمبيوتر وما كانت غرفة العمليات التابعة لشركة الزيت تتلقاه، حيث تبين أنه خلال الأربع والعشرين ساعة التي سبقت الحريق لم يتم تسجيل أية ملاحظات غير عادية وأن الأمور كانت تسير في الموقع وفقاً لبرنامج دقيق وضعته شركة الزيت.
بعد نحو شهرين من التحقيقات المستمرة والمكثفة جاء التقرير الصادر من الجهات الأمنية بان الحريق قد يكون سببه الإهمال، وانه لا توجد دوافع شخصية لافتعال الحريق.
أخذت شركة الزيت تقرير الجهات الأمنية وطالبت شركة التأمين دفع قيمة الخسائر التي تكبدتها، إلا أن شركة التأمين رفضت ذلك فهي تريد أن تنتظر التقرير الذي سيقدمه خبراءها لها، فهي لا تعتمد فقط على تقرير الجهات الأمنية بل تريد تقريرها هي. طالبت شركة التأمين بمشاهدة الأفلام التي قام المختبر الجنائي بتصويرها للحريق، فما كان من الجهات المختصة إلا أن أوعزت للمختبر الجنائي بإعطاء تلك الأفلام إلى شركة التأمين لقراءتها ومشاهدة كل شيء فيها عن كثب، فالمبلغ الذي تطالبه شركة الزيت ليس سهلاً بل «10» ملايين دولار.
طلبت شركة التأمين من إحدى أكبر شركات التأمين في العالم والتي تتخذ من لندن مقراً لها أن ترسل بعض خبرائها إلى مقر شركة التأمين.
جاء الخبراء من لندن وبدأوا يدرسون كل شيء على أرض الواقع ويأخذون عينات من التربة التي وقع عليها الحريق إضافة بعض الأدوات التي طالتها النيران وكانت لا تزال في المكان كما شاهدوا الأفلام التلفزيونية التي تم تصويرها إضافة إلى تفقدهم لسيارة الإطفاء التي احترق فيها رئيس الوردية توصل فريق الخبراء الذي جاء من لندن إلى حقيقة مفادها أن هناك جريمة ارتكبت وطلب استجواب العمال الذين كانوا في الموقع، كان من ضمن الأشخاص الذين تمت إعادة استجوابهم سائق سيارة الإطفاء.
طلب فريق الخبراء من السائق وصف ما حدث، فقال إنه كان بالجوار عندما انفجرت ألسنة النيران وهنا أخذ السيارة محاولاً التقدم نحو النيران للمساعدة في إطفائها لكنه لم يتمكن من ذلك بسبب قوة الانفجارات التي تسببت بها براميل الزيت.
سأله فريق الخبراء عن المدة التي يعمل فيها على السيارة فقال إنه ليس سائق سيارة إطفاء بل هو مسؤول عن صيانة أنابيب الزيت الخاصة بالشركة، وأضاف عندما شاهدت الحريق حاولت أن أقوم بواجبي خاصة أنني استطيع تشغيل سيارة الإطفاء. في اليوم الثاني تم استجواب الرجل فأجاب على نفس الأسئلة وبنفس الطريقة، تم استجوابه فريق الخبراء للمرة الثالثة والرابعة وكان يجيب على نفس الأسئلة، في المرة الخامسة سأله الفريق لكن الرجل رفض أن يجيب على شيء متهماً فريق الخبراء بأنه عبارة عن حثالة من البشر وأنهم يضيعون وقت الشركة في أسئلة سخيفة لا مغزى لها، هنا تقدم فريق الخبراء بتقرير إلى شركة التأمين قال فيه بأن الرجل سبب في اشتعال الحريقي وأنه في أثناء الطريق ارتكب عملية قتل.
في المحكمة
تم اطلاع شركة الزيت على التقرير الذي قدمه فريق الخبراء، وعندما طلبت شركة الزيت دليلاً على ذلك رفضت شركة التأمين تقديم أي دليل إلا أمام القاضي. بدأت شركة الزيت تعيد التحقيق مع الرجل الذي أنكر معرفته بأي شيء قائلاً بأنه لا يدخن حتى يرمي عود الثقاب على الأرض كما أنه لا يشرب الشاي لأنه مصاب بالسكري.
ثم وهذا هو السؤال المهم، ما هي مصلحته حتى يتسبب بإحراق الشركة التي يعمل فيها منذ (18) عاماً، كانت إجابات الرجل مقنعة خاصة أنه لا يتسفيد شيئاً من عائد التأمين لو أحرق الشركة.
هنا وجهت شركة الزيت رسالة شديدة اللهجة إلى شركة التأمين تمهلها أربعا وعشرين ساعة لدفع المبلغ أو رفع القضية إلى المحكمة وتحميل شركة التأمين أتعاب المحاماة، إضافة إلى طلب تعويض بدل تشهير بموظف الشركة لا يقل عن (10) ملايين دولار أخرى، رفضت شركة التأمين الرد على الرسالة وانتظرت حتى يأتيها إشعار من المحكمة لتسوية القضية خاصة وأن المبلغ قد تضاعف ليصل إلى (20) مليون دولار بين قيمة التأمين والتعويض والتشهير.
هنا تدخلت بعض الجهات لحل القضية ودياً خاصة وأن صاحب شركة الزيت وشركة التأمين من كبار رجال الأعمال وله مكانة اجتماعية مرموقة، إلا أن تلك الجهات تفاجأت بأن شركة التأمين تطالب شركة الزيت تعويضاً قدره (5) ملايين دولار بدلاً من الأتعاب.
وصلت القضية إلى طريق مسدود وكان لا بد من تدخل القضاء. في المحكمة وقف محامي شركة الزيت يقدم تقاريره وتقارير الجهات الأمنية والمختبر الجنائي والمستشفى الذي عالج المصابين مطالباً شركة التأمين بالالتزام بدفع (10) ملايين دولار بدل الخسائر المادية والتنازل عن ال(10) الأخرى والتي طلبتها شركة الزيت على شكل تعويض عن التشهير بأحد موظفي الشركة.
هنا طلب فريق الخبراء استجواب سائق سيارة الإطفاء الذي هو في الأصل مسؤول عن صيانة الأنابيب وطلب الفريق تسجيل الاستجواب بالصوت والصورة، حيث سأله الفريق نفس الأسئلة فأجاب الرجل نفس الأجوبة.
كان القاضي قد وافق على تصوير وتسجيل الاستجواب وهنا قال فريق الخبراء بأن هذا الرجل قام بعملية قتل وقد تكون هذه العملية لها خلفيات سببت الحريق في شركة الزيت، حيث قام فريق الخبراء بعرض صور من الأفلام التلفزيونية التي تم تصويرها إضافة إلى مراجعة أشرطة كاميرات المراقبة الخاصة بالموقع الذي تقع من ضمنه شركة الزيت، فقد أكدت تلك الصور أن رئيس الوردية الذي احترق في سيارة الإطفاء كان مع الرجل المسؤول عن صيانة أنابيب الزيت حيث أظهرت الصور أن مسؤول صيانة الأنابيب صعد إلى سيارة الإطفاء وركض خلفه رئيس الوردية وعندما أمسك رئيس الوردية بالسيارة وصعد إليها استدار بها مسؤول صيانة الأنابيب وأندفع بها نحو ألسنة اللهب ولكنه قفز منها قبل أن تصل إلى النار حيث أصيب بحروق متوسطة، إلا أن السيارة اندفعت بحكم عملية التسارع نحو قلب اللهب فاحترق رئيس الوردية.
طلب القاضي التحقق من الصور إن كانت حقيقية أم لا في الوقت الذي أمر فيه بالتحفظ على الرجل. بعد ساعات جاء تقرير المختبر الجنائي حيث أشار إلى أن الصورة حقيقية وأصلية، وهنا قال فريق الخبراء بأنه استجوب الرجل عدة مرات ومرة أخرى في المحكمة ولم يُشر إلى أن رئيس الوردية كان معه مما يعني أن هناك نية سيئة مبيتة، طلب القاضي من الشرطة أخذ الرجل والتحقيق معه، حيث قال بأنه نسي أن يذكر أن إفادته السابقة بأن رذيس الوردية كان معه لكنه أنكر أنه دفع بالسيارة إلى قلب النار قبل أن يقفز منها، إلا أن كل ذلك لم يقنع رجال الشرطة الذين ضغطوا عليه لقول الحقيقة.
وجد الرجل بأنه لا بد من قول الحقيقة حيث قال قبل أن يقع الحريق بنصف ساعة جاء رئيس الوردية وأخبرني بأن هناك تسرباً للزيت من أحد الأنابيب وطلب مني أن أقوم بإصلاحه، وأن أرفع درجة الاستعداد إلى درجة (البرتقالي)، لكنني لم أشأ أن أنفذ أوامره لأنني أكرهه وأكره هذه الشركة، فأنا أعمل فيها منذ (18) عاماً في حين أن رئيس الوردية الذي يرأسني لا يتجاوز وجوده في الشركة ستة أشهر رغم أنني أعرف كل صغيرة وكبيرة في الشركة إلا أن المسؤولين فيها جعلوه رئيساً عليّ.
وأضاف عندما زاد التسرب جاء رئيس الوردية مهدداً ومتوعداً بأنه سيقدمني إلى المحاكمة وسيطلب فصلي من العمل وكان جاداً في ذلك، لذا قررت أن أتخلص منه عندما اشتعل الموقع، فلو لم أفعل وأتخلص منه لقدم تقريراً إلى المسؤولين في الشركة وتم فصلي، وعند سؤاله عن المتسبب في الحريق قال بأنه لا يعرف ولكن إهماله السبب وراء ذلك فلو أغلق الأنبوب الذي يتسرب منه الزيت ورفع در جة الاستعداد إلى البرتقالي لما حدث ما حدث.
تم وضع التقرير أمام القاضي الذي حكم على الرجل بالسجن لمدة (22) عاماً بتهمة القتل المتعمد والاهمال الذي أدى إلى خسائر مالية هائلة وأضرار في الممتلكات العامة والبيئة.
إعداد ـ أحمد سلطان
