بالحيرة ذاتها، استقبل الموقف كما في كل مرة ينتهي من دوامة الشراء وتعبئة عربات التبضع، محاطاً بأسوار من الأفكار، التي يعبرها آخرون بسلوك مُتبادل لم تستوقفهم جدواه يوماً، بينما هم يكرّسون لبناء ثقافة ما. وما يثقل حيرته، وقفة ذلك العامل الذي انتهى للتو من وضع الأغراض في صندوق السيارة.. وقفة توحي بترقب شيء ما، بينما هو غارق بين الـ (لا) التي تجعل منه بخيلاً في نظر الآخرين، والـ ( نعم) التي تبدأ المسلسل ولا تنهيه. عندها، قرر بعزم مصطنع أن يبعد وسواس موقف، كان ثمنه دراهم ضاعت على الطريق، بعد أن كافأ بها أحد العاملين في الرحلة ذاتها..
ناول العامل ورقة نقدية هذه المرة، ونظره يجول بعيداً عنه منعاً للحرج، باعتباره ساهم في جعل رحلة التسوق أكثر رفاهية، بينما كان الإحراج في انتظاره مجدداً، عندما استخفّ العامل بالمبلغ واستغنى عنه، وعاد لاستئناف عمله، ضاحكاً مع أحد زملائه، وكأنه موقف أصبح روتيناً اعتادت استدعاءه الذاكرة.
مرت اللحظات عليه طويلة، لام نفسه كثيراً.. استدعاها مراراً وحاول أن يطيل الجلوس عند تلك المواقف، ويقلبها على نار من التأمل الصريح لإيجاد إجابات مقنعة أومنطقية. أيعقل أن يرفس هذا العامل البسيط تلك النعمة؟ كيف يُفرّط في قوت يومه؟ أتراه كان يتوقع مبلغاً أكبر من ذلك؟ هل اعتبره انتقاصاً من قيمته؟
يبدو أن من يحظى بفرصة العيش في مدينة تفيض بالنعم، يترفع عن الإكرامية أو ما يُعرف بالبقشيش، من باب الوجاهة الاجتماعية، أو باعتبارها موضة ولّى عهدها. فتحقيق الأحلام أسهل عبر بوابات أخرى، عندها يبدو ذلك التحليل أكثر منطقيةَ، ولكنه غير مقنع، لأن من كان محتاجاً يرضى ولو بالقليل.
ثقافة
إحساس متكرر يهاجم كل فكرة مستوردة، يثبت صدقه كل مرة، فما يصلح في مجتمع ما؛ ليس بالضرورة أن ينسجم مع ثقافة مجتمع آخر. البقشيش ثقافة موغلة في القدم، تعرف إليها البشر في مختلف بقاع الأرض، يستنكرها البعض ويفرضها البعض الآخر، ويخبئها تحت قناع الفاتورة التي تدفعها مجبراً، تحت مسمى ضريبة الخدمة. أو ليست الخدمة جزءاً من السعر الأصلي؟ لماذا كل تلك الحيل؟
تلك عادة ارتبطت بطبقة مرفهة من الأثرياء، تستثني نفسها عن العامة، هاجسها البحث عن خدمةٍ تفوق ما يُقدم للآخرين، عند ارتياد المطاعم أو الفنادق.
أسست لثقافة يدفع ثمنها اليوم الخاصة والعامة، وتشكل نسباً ضخمة من المدخول السنوي لبعض الدول كما في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تصل نسبة البقشيش إلى 25% من إجمالي الفاتورة، فهي ضريبة رفاهية. تخيل أنك ترفه عن نفسك بربع الفاتورة، بينما في الصين فكرة البقشيش لا تلقى رواجاً، باعتبارها من صلب الثقافة الرأسمالية.
في الثقافة المحلية، يكاد يكون ذلك السلوك جزءاً كبيراً من حكاية التكافل الاجتماعي، فالجميع هنا أهل وحبايب، وكان عرفاً سائداً لا يتخلف عنه إلا البخلاء، فمن يُقدم خدمة مهما صغر شأنها يستحق أجراً، يكون وقعه المعنوي أكبر من المادي، حتى وإن كان يتقاضى مرتباً. وكان ذلك الأجر أو كما يُسمى الخرجيه بالمقابل يترك أثراً عطراً لدى مستحقيه، وكرماً فاق كرم المعطي وقت ذاك. يُقال لأن النفوس كانت طيبة، طاهرة، وقانعة، لا يشوبها حقد أو حسد، بالرغم من وجود مختلف الطبقات الاجتماعية.
تحول
لا يمكن أن تتعرض لتلك المواقف، من دون أن تتداعى لك صور المتسولين على أطراف الحياة بمختلف مراحلها. يا للمفارقة التسوّل اليوم، يتخذ أشكالاً عدة، منه المقنّع والطامع. كأنه فُصّل على مقاس نفوس أشخاص هذه الحياة ونياتهم. المفارقة تقف عند الحد الفاصل بين من يستحق النعمة، ويرفضها تبجحاً، وبين من لا يستحق النعمة، ويتفنن في طلبها استخفافاً بعقول الآخرين، وعزفاً على أوتار القصص الإنسانية الموجعة. أما عندما تقع الفريسة في الفخ، تتغير نبرة الحديث، وتنزلق نحو طلبات غير متوقعة..وكما يقول المثل طرار ويتشرط.
فهم لا يكتفون بالنقود عادةً.. ملابس قديمة.. حليب أطفال.. مواد غذائية، كل ذلك دفعة واحدة، إذن ما فائدة النقود؟ ثم أين التعفف في ذلك الطلب؟ مرة أخرى.. المنطق يقول: من كان محتاجاً عليه أن يرضى وإن بالقليل، فتلك الأساليب عادةً، لا تصنع ثروات..بالكاد تسد الرمق.
كم من موقف وقع أصحابه في فخ الاحتيال، بعد أن راودهم إحساس بالشفقة نحو أحد المتسولين وأغدقوا عليه العطاء، ليكتشف أنه لا يستحق أكثر من دراهم معدودة، لأن فاعلي الخير كثُر، وأبواب الرزق متعددة. فالمبالغة أحياناً موجعة، وتبنّي نتائج مواقف الآخرين أكثر إيلاماً.
المشهد يدور في الفلك ذاته، بين صدى البقشيش وحاجة المتسول ينحرف المؤشر، فنُضطر أحياناً لتلبية طلبهم لإسدال الستار على المزيد من الجدل. وبين نظرات نادل المطعم خارج المنزل وتأفف الخادمة داخله، نعطي مجبرين لأنه عرف سائد، وثقافة متحضّرة، بينما هي فاتورة مسبقة الدفع.
لايزال الندم يراود أفراد تلك العائلة، بعد جرعة الدلال التي كافأوا بها الخادمة، وقرروا أن يعفوا عما سلف من سلوكها المضطرب، مستغنين عن خدماتها بالحُسنى، فبلغت مكافأتهم في يوم رحيلها ضعف راتبها الشهري، حتى صفعتهم هي بالهروب المحتوم، وعاشت على المكافأة في ربوع مدينة الأحلام أشهراً أخرى.
أمل الفلاسي
