بعد «المودكا» و«الويمبي»، جاء دور المقهى «الختيار»، لتندثر معالمه في غياهب النسيان، وينهار فجأة وكأنه لم يكن.. «كافيه دو باري» الذي أجبِر على الاستسلام ل«جرف» التحوّلات ومنطق السوق وغلبة الاستثمار وجشع الاستهلاك والربح السريع، ليقفل بوّابته الأخيرة بلا رحمة.

هكذا يودّع المقهى الباريسي شارع الحمراء في بيروت وذكريات عزّه، من دون أي بارقة أمل بالعودة، تاركاً مكانه لمطعم سيقدّم الوجبات السريعة «الفاست فود»، بينما المدينة تشهد احتفاليّة «بيروت مدينة عالمية للكتاب».. وما في جعبة من كانوا يلتقون فيه، بلا ظلّ وبلا موعد، وتفرّقوا، إلا التحسّر على شارع صار يشبه فنجان القهوة بلا مقاهٍ تشبههم، والتيه في البحث عن أمكنة تلاقٍ جديدة.. والكثير من الحنين!

هو مقهى افتُتح في نهاية الستينات، عند تقاطع في شارع الحمراء بات يعرف لاحقاً ب«المثلث» الذي تصبّ فيه مواعيد المثقفين والكتّاب والصحافيين والشباب والصبايا من طلاب وعشّاق ومتخاصمين وهائمين على وجه الحياة.. مثلّث «المودكا» ـ «الويمبي» ـ «كافيه دو باري» الذي كان يشبه القلب بمعناه ومكانته، والذي على طاولات مقاهيه أنتج كبار الشعراء (أمثال محمد الماغوط ويوسف الخال وأدونيس وبول شاوول) معظم قصائدهم، وبفضله صنع شارع الحمراء تألّقه الذي بات رديفاً لذكره، وحيث صارت بيروت هي الحمرا، قبل أن تنقلب على نفسها وتسقط في مكان آخر، مضرّجة بحنين لماضٍ بعيد..

كان «كافيه دو باري» يشكّل جزءاً من نهضة بيروت وازدهارها الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، إذ استقطب روّاد الشارع والمدينة، من مثقّفين وفنّانين وأصحاب مشاريع ثقافيّة وصحافيين ورجال أعمال، قبل أن يقع «ضحية» الشائعات الكثيرة التي طاولته، بعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها..

لكنه صمد، وإن استحال في السنوات الأخيرة أشبه بصفة «الختيَرة» التي لازمته، ونوعاً من المقاهي الشعبيّة التي لا تملّ «التحشّر» بالمارّين، فتأخذهم التحية الى جلسة سريعة ومشاركة في صنع «الخبريّة» وتسويقها، أو الضحك لسحر الكلام أو لخفّة القضية، وبالعكس، في وجود «فلول» المثقفين الذين لم يشأوا أن يغيّروا العادات والأمكنة...

علماً أن هذا المقهى، وعلى امتداد سنواته، عرف وجوهاً كثيرة تعاقبت على زواياه المختلفة، خارجه وداخله، سفلاً وعلواً، ومعظمها اتخذ مكاناً ثابتاً بات جزءاً من مشهد المكان، حيث تسير الحياة في الشارع وتفرّعاته بوتيرة عجلى، والناس ينسلّون بين كراسي المقهى الرصيفية الى شؤونهم في دائرة جغرافية صغيرة..

مثقّفون معروفون ذوو انتاجات أدبية، وإعلاميون يتبادلون مع زملائهم وخصومهم الآراء والاستفزازات ليقعوا في مكائد بعضهم للبعض الآخر، فيتخاصمون أياماً يغيّر أثناءها واحدهم المقهى، ليعود الى الجلسات نفسها كأن شيئاً لم يكن.. والأهم، أن جميعهم صاغوا حياتهم على فنجان قهوة!

«جاك أند جونز» ورديفه «فيرو مودا» متجران للألبسة، هزما في السنوات السابقة «المودكا» و«الويمبي» في شارع الحمرا، اللذين كانا بالنسبة لكثيرين عناوين، وربما عناوين إقامة أو شبه إقامة، وتعبيراً عن روح بيروت وكتابها المفتوح وملامحها المعلَنة.. وباختصار، من الآن فصاعداً، سيكون شارع الحمرا بلا «كافيه دو باري»، حيث سيحلّ الفراغ في زاوية أضاءت على امتداد ما يزيد عن الأربعين عاماً.

بيروت- وفاء عواد