لم يعد منظر رؤية الأطفال الصغار المفرطي السمنة جديداً في الشوارع والساحات في كل أنحاء العالم، وكذلك بالنسبة لدول الخليج والبلدان العربية. مؤسسات كثيرة دقت ناقوس الخطر، ومنها مؤخراً وزارة الصحة في دولة الإمارات ومنظمة اليونيسيف.

والجهتان طرحتا برامج صحية مدرسية من شأنها الحد من ظاهرة السمنة المفرطة، ولكن معركتها ليست مع عائلات الأطفال الصغار، بل مع الشركات الإعلانية العابرة للقارات والمتعددة الجنسيات التي لا تزال تروج في إعلاناتها الأطعمة والأغذية والمشروبات التي تزيد من السمنة المفرطة ولا يهمها زيادة الشحوم وتدلي الكروش وترهل الأجساد وظهور الأمراض ما دامت تحقق الأرباح.

فعلى عينة من 260 طالباً في العين، تنتشر السمنة المفرطة بنسبة 44 بالمئة من بينهم. وتبيع مطاعم الأكلات السريعة 20 ألف قطعة همبرغر في اليوم، وتبلغ وارداتها 117 مليون دولار في العام في الإمارات و600 مليون دولار في العام في مجلس التعاون الخليجي.

فمن المشاهد التي تتكرر سواء في التلفزيون أو الواقع أن الأم تتوسل ابنها قائلة له: إذا أكلت هذه التفاحة سأشتري لك أسطوانة (سبايدر مان)، وإذا شربت هذا الكأس من عصير البرتقال، سأشتري لك جهاز (غيم بوي). لكن هذه التوسلات لا تنجح أمام سيل الإعلانات التي يشاهدها ابنها على مدار اليوم.

فالكثير من الأمهات يشكين من أن أطفالهن يصرون على تناول مواد لمجرد مشاهدة إعلاناتها أو لإغرائهم بهدايا أو جوائز، يمكن الحصول عليها مع التهامهم هذه المنتجات. لذا عليهن أن يقمن بإعلاناتهن الخاصة لإقناع الأولاد بالأكل الصحي مثل الصحون الملونة والملاعق برؤوس أشكال الحيوانات والمذاق الخاص للأطعمة بحيث تنافس شركات الإعلانات وهو أمر ليس بالسهل أبداً لأننا أمام آلة جهنمية سريعة الإيقاع تغزو جميع وسائل الاتصال.

الشركات الهولندية على سبيل المثال، استجابت لجمعيات المستهلكين بتقديم تعهدها بأنها ستستثني من إعلاناتها الأطفال دون السابعة من أعمارهم في إعلاناتها التلفزيونية.

وفي فرنسا، قامت شركات كوكا كولا وماكدونالدز وكنتاكي وغيرها بسحب إعلاناتها الشبابية منصاعة إلى مؤسسات الرقابة.

وإذا كانت دول أوروبا تسعى لمنع نشر الإعلانات الموجهة إلى الأطفال، فإن بريطانيا لوحدها اتخذت قرارات قاسية في مجال الأغذية، وأدت المناظرات البرلمانية إلى صدور قانون يقضي بوضع لافتة عن الأضرار على هذه المواد.

في عام 2009 خصصت الإعلانات 90% من برامجها للشباب للترويج عن منتجات مليئة بالشحوم والزيوت المضرة والحلويات والمملحات مع علم خبرائها بمضارها وتسببها للسمنة المفرطة، مما اضطر جمعيات المستهلكين الاستنجاد بقطاعي الصحة والتربية والسعي لمنع الحملات الإعلانية والبرامج التلفزيونية التي يشاهدها الأطفال.

يبدو أن جمعيات المستهلكين صحت من غفوتها في أوروبا والولايات المتحدة بعد أن أدركت مخاطر السمنة المفرطة لدى الأطفال الأبرياء، الذين لا يختارون ما يتناولونه بل ما تختاره لهم الإعلانات؟ ولمواجهة الترويج لاستهلاك المواد الغذائية الضارة، قررت أوروبا تنظيم الإعلانات ووضع قواعد جديدة تحد من النزعة الاستهلاكية الطاغية عليها، والتي تحث الصغار على تناول المشروبات والحلويات التي تفتقد إلى القيمة الغذائية وتسبب البدانة، وتمنع إظهار صور للأطفال وهم يلتهمون الطعام في الإعلانات.

وفي المقابل، تستغل بعض الشركات الإعلانات المضللة للترويج عن منتجات وطرق علاج السمنة حيث يتعرض الضحايا طوال الوقت لوعود وآمال وهمية في صور دعاية وإعلان توهمه بإنقاص وزنه عن طريق الأعشاب البحرية والأقراص والريجيم السحري، والكمبيوتر والإبر الصينية والكريمات وغيرها.

إعداد ـ شاكر نوري