يعتبر د. عبد الله النجار أستاذ الشريعة والقانون بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية من العلماء الوسطيين والمدركين لدورهم في تبصير الأمة بدينهم.. وقد تجاوزت كتبه ومؤلفاته ال100 كتاب، بالإضافة إلى مناقشة ما يزيد على 250 رسالة ماجستير ودكتوراه لطلاب العلم في مختلف الجامعات.

ويؤكد الدكتور عبدالله النجار أن الإسلام قادر على حل الأزمة الاقتصادية الحالية.. رفضًا في هذا الصدد تعليق الأزمة على القضاء والقدر.. وتطرق إلى قضية الانفلات الأخلاقي في مجتمعاتنا الإسلامية، وحذر النجار من انتشار الفتاوى الحالية التي أسماها بفتاوى الضرار، موضحًا أن مثل هذه الفتاوى تتخذ الدين ستارًا لنشر الإساءة في المجتمعات الإسلامية..

التقينا النجار في هذا الحوار فتحدث عن قضايا عديدة؛ فإلى مضابط الحوار.

بداية ما رأيك في الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية، وكيف يمكن للإسلام حل مثل هذه الأزمات؟

الإسلام قادر على حل الأزمة الاقتصادية الحالية وغيرها، وذلك لو حسنت النوايا في الاقتداء بأحكام الدين، ومما يؤكد ذلك أن سبب الأزمة القائمة جملة وتفصيلاً يرجع إلى البعد عن التوجيهات التي أقرها الإسلام في المعاملات الاقتصادية، حيث يخوض الذين صنعوا تلك الأزمة في أمور تعد من المحظورات في الإسلام كالمراهنات والمضاربات والمعاملات التي يشوبها الضرر والغش.

لكن ما التوجيهات التي أقرها الإسلام في مثل هذه المعاملات؟

لابد أن يكون المعقود عليه حاضرًا أثناء المعاملة بحيث يمكن تسليمه، أو إعطاء يد له إذا كان من الأمور القيامية التي يقوم بعضها مقام بعض في الوفاء، كما يجب أن يكون الضمان ثابتًا وحاضرًا ومقدور الاستيفاء بحيث يستطيع الدائن أن يستوفي حقه من التأمين العيني بالبيع، والحصول على حقه من الثمن، وهذا ما لم يتوافر في البنوك العالمية الآن وكان سببًا في حدوث الأزمة.

هل هذا متوافر في البنوك الإسلامية الحالية؟

هذا متوافر بالقطع في المعاملات الإسلامية، والتي تنظر على آليات المعاملات التي فيها شيء من التأجيل كالقرض والمضاربة والمداينة إجمالاً، مما يمنع النزاع بين المتعاقدين في استيفاء كل ذي حق حقه، والقاعدة في التشريع الإسلامي تقول «إن المعاملات التي تتراخى آثارها لفترة مستقبلية من الزمن لابد أن تكون منضبطة ضبطًا يمنع النزاع فيما بعد ويقمن الحق لأصحابه».

وهل البنوك الإسلامية هي الحل؟

إذا كانت هذه البنوك تطبق الأنظمة السابقة، وقادرة على ضمان حقوق المواطنين المودعين لديها، وأن يكون هناك مشاركة بينها والعميل في الربح والخسارة، فهي الطريق الأساسي لكل هذه المشكلات الآن وفيما بعد.

البعض يرى أن الأزمة الحالية هي عقاب إلهي نظرًا للتعامل بفاحشة الربا في هذه البنوك؟

هذا أمر غير صحيح، ولا يجوز أن نعلق هذا على القضاء والقدر، فكل شيء بقضاء الله وتقديره نعم، ولكن ما حدث ليس فيه ميزة عن الأمور العادية التي تقع بتقدير إلهي، لأن الأمور التي تبنى على الأسباب لا يجوز تعليق نتائجها على القدر، لأننا لو فعلنا ذلك فسوف نتوقف عن علاج الأسباب السيئة التي أدت إلى تلك النتائج، وبالتالي فحدوثها ليست قدر بالمعنى الدقيق، بل إن أسبابها من فعل الإنسان، ومن يزرع الحنظل لابد أن يجني ثماره، ومن يزرع الطيب فلابد أيضًا أن يجني ثماره.

ننتقل إلى الأزمة الثانية وهي أزمة الأخلاق التي ظهرت مؤخرًا داخل المجتمعات العربية، ما رأيك فيها وما أسبابها؟

الانفلات الأخلاقي وأشكاله أصبح ثقافة عامة بدأت تغزو بلادنا الإسلامية بهدف تقويض منظومة الأخلاق، وخلق جو من الفوضى التي تخلخل نظام الأسرة في البلاد الإسلامية.

ونستطيع أن نقول إنها ثقافة عامة فرضتها الدول الغربية على المجتمعات الإسلامية بهدف إخراجها عن عاداتها وقيمها التي رسخها الإسلام ومواجهة ذلك يكون عن طريق التأثير بالإقناع والتوجيه، وبيان المخاطر التي تترتب على هذه السلوكيات، وأهم شيء في ذلك مواجهة البث الإعلامي الذي يثير الغرائز وترويجه بهدف الربح حتى ولو كان على حساب الدين.

ما دمت تحدثت عن البث الإعلامي فما رأيك في فوضى الفتاوى التي تشهدها مؤخرًا هذه القنوات؟

الفتاوى الحالية يمكن تسميتها بفتاوى الضرار، لأنها لا تهدف إلى بيان رأي الدين، وإنما هدفها في العموم أن تتخذ الدين ستارًا لنشر الفحش في المجتمعات الإسلامية، وذلك من خلال توجيه أسئلة وضيعة ومخلة من بعض المتصلين عن سلوكياتهم الشاذة وعلاقاتهم الأسرية، وكل ذلك هدفه إعلان هذه الوقائع الشاذة على الملأ، وقذف البيوت بها، ليس من باب بيان أحكام الدين فيها، وإنما من باب نشر الرذيلة في المجتمع، وللأسف بعض الشيوخ وعلماء الدين يتم استدراجهم لهذا الفخ، ويجيبون عليها مما يزيد الطين بلة.

ولكن المجتمع الإسلامي في حاجة إلى الفتاوى التي تخص حياته الخاصة تجنبًا للمحظور؟

الفتاوى التي تتعلق بذلك، يجب الحياء في السؤال عنها، ولا يسأل عنها على الملأ لأن ذلك فيه نوع من الفضيحة، وقد أوجب الله الستر على من ابتلى بالمصائب، كما أوجب الستر أيضًا على من يرتكبون الفواحش، خاصة إذا وصل أمرها إلى القضاء، حينئذ لا يجوز الشفاعة فيها، ولا يجوز كتمان الشهادة بشأنها والأحاديث في هذا المعنى واضحة، ومنها قوله:«من ستر على امرئ في موطن يجب ستره فيه كان كمن أحيا موءودة».

ما حكم العلماء والشيوخ الذين يردون على هذه الأسئلة؟

الرد على هذه الأسئلة المجافية للحياء، ولما أوجب المشرع ستره يعد «عذرًا أقبح من ذنب»، ولذلك فهؤلاء العلماء والشيوخ آثمون؛ بل إن إثمهم أكبر من السائلين أمام الله، أما الإجابة على مثل هذه الأسئلة في الستر والخفاء وبيان الحكم الشرعي فيها أمر واجب.

وأين دور المؤسسات الإسلامية في كل هذه الأمور؟

يبدو أن هناك اتجاها لتهميش دور هذه المؤسسات كالأزهر وغيره، وإبعاد هذه المؤسسات عن الدور الذي يتعين عليها القيام بها، وذلك بإبراز وتقديم شخصيات دينية فارغة وجوفاء، وهم الذين يشكلون ظاهرة من يسمون بالدعاة الجدد.

ولماذا انتقادك للدعاة الجدد بهذا الشكل؟

أنا لست ضد أي داعية، ولكن المهم أن يكون على فقه صحيح بأصول الدين ومقاصده والفروع المؤدية إلى هذه المقاصد، بحيث إذا قال حكمًا يجب أن يكون هذا الحكم صحيحًا وفقًا لمصادر الشريعة وللمستجدات المعاصرة.