قال الشيخ: لعل من أهم أسباب ما ابتلينا به هو أننا ركنا إلى الدعة والكسل والتنعم إلى حدود الخدر وانصرافنا عن العمل والجهاد والكفاح والمكابدة، ومن سنن الله أن الدنيا كالآخرة لا تأتي لغير طلابها، وأنها لا تحلو إلا لمن يكابد في السعي إليها، ولو قام كل منا بما يستطيع أن يقوم به ـ وهو كثير ـ دون أن يحمل مسؤولية ما هو فيه أو ما الأمة فيه للآخرين حكاما ومحكومين لتغيرت الحال ولرفع عنا أكثر البلاء.
شاءت إرادة الحق سبحانه وتعالى أن ينعم علينا بنعم كثيرة فأراضينا خصبة، وثرواتنا وفيرة، ونحن كثرة يمكن أن تستثمر في العمل والبناء والتنمية، فإذا بنا نعرض عن الجهاد والاجتهاد فلا نزرع كثيرا من أراضينا حتى صرنا عالة على العالم ولم يتحقق لدينا ما يسمى بالأمن الغذائي، ولا نستثمر ثرواتنا بل نهدرها في سرف وبذخ كمن ينفق من خزائن لا تنفذ، ولا نعمل بأيدينا بل نستورد من بلاد أخرى من يعمل عوضا عنا ونجلس على الأرائك ننظر إلى من يعمل بفوقية لا تقرها إنسانية ولا دين.
وإذا نظرنا في أكثر شبابنا اليوم لرأينا أنهم يهدرون أوقاتهم وجهودهم وأخلاقهم في التعصب لفريق دون فريق في الرياضات المختلفة التي صارت تنفق فيها الملايين، وفي ملاحقة النساء عبر التسكع في الشوارع أو متابعة الفضائيات التي لم تترك حياء إلا وهتكته وهي أيضا فضائيات تنفق فيها وعليها الملايين، وقد قيل أن نصف مليار دولار دفعت على إنتاج خمسين مسلسلا في بلد عربي لعرضها في شهر رمضان المبارك لهذا العام !!
وفي الاستماتة لتبديع أو تفسيق أو تكفير من التزم بمذهب لا تباع المذهب الآخر بالنسبة للملتزمين، والنتيجة أن عمر الشباب الذي يعتبر أكبر رأسمال للأمة فقد قيمته بل تحول إلى نقمة بدلا من أن يكون نعمة تعم بالخير على العباد والبلاد، ثم أن هذه الثقافة ثقافة الاستهلاك والرفاهية وإهدار الوقت والمال والقيم شاعت واتسع امتدادها حتى طردت كل ثقافة جادة أخرى وصار من يتحدث عن حب الله ورسوله وعن الإسلام والدعوة إليه وعن اللغة العربية وما فيها من مخزون حضاري بل وحتى عن العروبة والأصالة متهما بأنه (سلفي) التفكير، وسلفي هنا بالقاموس الدارج تشير إلى معاني الجمود والتخلف والعطالة، حتى شاع في المنتديات مصطلحات مثل (السلفية الإسلامية) و(السلفية القومية) الخ..........
هذه الحياة التي ارتضيناها لأنفسنا أورثتنا ضعفا وعجزا، ثم أورثنا الضعف والعجز هوانا واستكانة، فلم نعد قادرين على الدفاع عن أنفسنا وحقوقنا لاسيما بعد أن صغرنا في عيوننا قبل عيون غيرنا، وإحساسنا بالضالة والضحالة وعدم القدرة على مجرد الوقوف في مكاننا في وجه التيارات التي تهدف إلى اقتلاعنا ورمينا إلى الوراء صرعى لا نلوي على شيء، فالإحساس بالذات والهوية تحتاج إلى أصالة وانتماء والحق سبحانه وتعالى يقول (ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم).
في هذه الآية الكريمة مفتاح رفع البلاء أن صدقنا مع أنفسنا فأعمالنا هي السبب الوحيد الذي يمكن أن يغير أحوالنا والحق سبحانه وتعالى يقول (ولن يتركم أعمالكم) وهذا في الدنيا قبل الآخرة، فأين أعمالنا التي ترفعنا من الصغار في عيوننا وعيون غيرنا إلى عزة وكرامة أرادها الله لأمة الإسلام؟
ماهر سقا أميني
