لا خلاف على أن مرحلة المراهقة من أكثر المراحل خطورة في حياة إنسان، نظرًا للتغيرات الفسيولوجية والنفسية التي تصاحبها، ولخطورة هذه المرحلة فإنها تحتاج إلى تكاتف الجميع من داخل الأسرة وخارجها، وإلى طرق ووسائل معينة لابد من اتباعها لتجنب مهالك هذه المرحلة، تعالوا نتعرف إلى آراء العلماء حول التعامل مع المراهقين والمراهقات.

المراهقة مرحلة مصيرية لدى كل إنسان تؤثر في مساره طوال حياته إما سلبا أو إيجابا، بهذه الكلمات بدأ د. مصطفى مراد - أستاذ الأديان بجامعة الأزهر حديثه، موضحا أنها تتطلب من الآباء والأمهات معاملة خاصة أهمها ترغيب الأبناء في الشريعة الإسلامية، وحثهم على إقامة الفرائض، والابتعاد عما نهى الله عنه؛ موضحا أن الأب يجب أن يتعامل مع ابنه أو ابنته في هذه المرحلة من منطلق الصداقة، وكذلك الأم مع بناتها، حيث يحتاج الشباب والفتيات في هذه المرحلة من يرشدهم ويحفظ سرهم، لذلك فسوف يكون الأب والأم خير صديق لهم لو تعاملوا معهم بهذه الطريقة.

وأشار إلى أن الإسلام علمنا كيفية التعامل مع أبنائنا إذا اخطأوا أو فكروا في ارتكاب الخطأ والمعاصي، ويدل على ذلك ما حدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاء شاب إليه ليطلب تصريحا بالزنى، فعن أبي امامة قال: إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنى، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا مه مه! فقال: ادنه. فدنا منه قريبا، قال: فجلس.. قال أتحبه لأمك؟

قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال أتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال أتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك.

قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال أتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء».

أضاف مراد أنه من خلال هذه القصة يتضح كيف تعامل الإسلام مع أخطاء الشباب، فلو رضي النبي صلى الله عليه وسلم عن أسلوب الصحابة الذين زجروا هذا الشاب وكادوا يفتكون به لسالت الدماء، ولصمم الشاب على موقفه لأنه لم يجد ما يقنعه بالحجة والبرهان، أما بالأسلوب النبوي فقد ابتعد عن المعصية وعاد إلى طريق الله.

يتفق معه في الرأي د. عبدالغفار هلال - أستاذ الدراسات والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، الذي يؤكد أن القرآن الكريم والسنة النبوية وضعا المنهج الذي من خلاله يستطيع التعامل مع المراهقين والمراهقات، فالله تعالى يقول {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} وإيمان هؤلاء الفتية لا يكون إلا بثلاثة جوانب هي الأب والأم والمدرسة أو الجامعة وهي عوامل لا يمكن الفصل بينها، فكل طرف منهم يتحمل جزء من المسؤولية، فالأب لابد أن يقترب من ابنه في هذه الفترة ويحثه على أداء العبادات ويصطحبه معه إلى المسجد، ويساعده في رسم مستقبله والتخطيط له.

ويحضر معه دروس علمية ودينية توضح عقاب الاقتراب من المحرمات كالزنى وشرب الخمور وغيرها والتي يكون الشاب في هذه المرحلة في حاجة ملحة إليها لإشباع رغباته، لذلك فالأب مطالب بتوضيح حرمة هذه الأمور وعواقبها، وإذا كان الأب مقتدرا، وإذا كان الابن قادرًا على تحمل مسؤولية الزواج فليعجل به اتباعا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» أي وقاء.

أما المسؤولية الثانية فتقع على الأم وغالبًا ما تختص بالبنت في هذه المرحلة، لأن دور الأب غالبًا ما يكون قليل التأثير بخلاف الأم خلال هذه المرحلة، ولذلك لابد من تربيتها على المبادئ الإسلامية كالابتعاد عن الإثارة، وعدم اختلاطها مع الجنس الآخر، وفرض الحجاب عليها، وألا يكون لبسها من النوع الذي يصف الجسم أو يشف، وعدم التعطر عند خروجها من البيت، وتحذيرها من ذلك برفق وبأدب وبمناقشة وتبادل الآراء بينهما.

أما المسؤولية الثالثة فتقع على المدرس في المدرسة أو الأستاذ في الجامعة فهو يقوم بدور الأب والأم معًا في هذا الأمر، لذلك لابد أن يناقش طلابه في الأمور العلمية، ويحثهم على إقامة فرائض الإسلام والبعد عن المحرمات التي تحدث الآن داخل الجامعات.

أما د. منيع عبدالحليم - عميد كلية أصول الدين الأسبق فأكد أن الشاب والفتاة في هذه المرحلة يكونان في حاجة ماسة لإشباع الغريزة الجنسية لديهما ولو عن طريق المحرمات، لذلك يجب استخدام أسلوبي الترهيب والترغيب معهما، فالأسلوب الأول يكون ببيان العقاب لهم لمن يجرؤ على ارتكاب هذه المحرمات، مع عدم تعنيفهم على ارتكاب بعض الذنوب الصغيرة أو التفكير في ارتكاب الذنوب الكبيرة، أما الأسلوب الثاني فيكون بحثهم على التوبة إلى الله، وبيان أن الله يقبل التوبة من عباده.

كما قال في الآية الكريمة {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم}، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، وكان من ضمن هؤلاء السبعة شاب نشأ في عبادة ربه.

وأضاف أنه يجب على الآباء توعيتهم باستخدام الأجهزة الحديثة من تلفزيون وإنترنت، بما يتفق مع تعاليم الإسلام ويخدم المصلحة العامة والخاصة، والبعد عما يثير الغرائز، وذلك يكون بمراقبتهم دون علمهم ودون التضييق عليهم، حتى لا يشعروا بعدم أهميتهم.

إلى ذلك، أكد د. عبدالله ربيع - أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر أن القرآن الكريم وضع الأسلوب الأمثل للتعامل مع المراهقين والمراهقات من خلال سورة «يوسف» عليه السلام التي وضحت كيف تعامل هذا الشاب الصغير مع امرأة العزيز، وكيف استطاع أن يقاوم غرائزه لعدم ارتكاب ما يغضب الله، وهذا ما يجب أن يعلمه الآباء لأبنائهم خلال هذه الأيام، بالإضافة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعامل معهم بما يشعرهم بالمسؤولية وأنهم هم المستقبل، وكان يحترم آراءهم وينصفهم في حقوقهم.