عند الرابعة عصراً في زمن مضى، يبدأ الزحف نحو وضع آخر النقاط على أمطار الحروف التي تفرضها الواجبات المدرسية. الكتب في الحقائب على عجل، وأولوية حجوزات الصف الأمامي من كراسي الصالة لمن يفرغ من حل الواجبات أولاً. عند ذاك يدشن تلفزيون دبي برامجه بالذكر الحكيم من آيات القرآن. ثم بسماحة وجهه المعهودة يُطل الشيخ الداعوق في حديث له صلة حفظناه جيداً، كانت نهايته إيذاناً بدخول الفقرة المخصصة لرسوم الكرتون المتحركة عند الرابعة والنصف.

بعد حجز المقاعد والترتُب بطريقة متقنة. يسود صمت تشوبه أحاديث الأطفال المازحة حول تفاصيل كل حلقة.

وقت يحترم هدوءه الكبار قبل الصغار. ما يقيم في الذاكرة دائماً هي ليدي ليدي.. وأغنية حفرت كلماتها على الألسن مطولاً. ليدي الشقراء الآتية من القارة العجوز تبهر أطفال الصحراء.. فقدت أمها وتعيش في كنف والدها. طفولة محرومة تعزف على وتر الحنان ولكنها تنعم بالثراء ..

وعدد لا محدود من الفساتين. هي حتماً جديرة بمتابعة من هم في سنها. يا ترى.. كم دمعة ذرفناها مع سالي؟ التي احترقت طفولتها اليتيمة على جمر قسوة تقاسمتها أقدار غيبت والدها وسلبت ممالك العز والثراء وظلم كالته الآنسة مينشن؟ كم بسمة رسمتها هايدي المشاكسة التي وجدت نفسها في الحقول وبين الماشية تستأنس العمر مع الجد العجوز؟

سر

وبين بساطة المتلقي وإحساس المؤدي يكمن السر في توليفة نجاح تلك الأعمال. وأثرها الذي ما زال متداولاً بتفاصيله المُعاشة بذهول. فجُل تلك الأعمال يمتد بجذوره إلى أدب القصة والرواية. وسالي تحديداً هي اقتباس ياباني لرواية الأميرة الصغيرة للكاتبة فرانسيس هودسون برنيت فرانسيس هودسون برنيت، عمل على نقله للعربية ودبلجته المركز البصري للخدمات السمعية والبصرية في الأردن. الإبداع كان متبادلاً.

فإلى جانب الأدب العالمي، غذّت المكتبة العربية صناعة الرسوم المتحركة التي خلدها مسلسل مغامرات سندباد الذي يصور حكاية البحار العربي المذكورة في قصص ألف ليلة وليلة مغامراته أقصد بطولاته المأثورة. وإن كان لابد من التوغل في العمق.

فهناك توم وجيري والانقسام الذي يدور حول أحقية كل منهما بالقضاء على الآخر تبقى الابتسامة سيدة الموقف.. وساندي بل سالبة عقول الفتيات.. والعجيبة بومبو وصديقها أمين.. والقائمة تطول.

قبل الرسوم المتحركة.. أين كان العرب؟ تواجدوا هناك منذ زمن. ورسومهم جديرة بالذكر والرواية في زمن لم تطاله التقنيات الحديثة. فصورهم متحركة. وشخصياتهم التراثية قابلة للتأويل والتفسير. فالوصف الدقيق يضعها أمام مرآة لا تُخطئ التفاصيل. وبعد كليلة ودمنة. وألف ليلة وليلة نتذكر أم الدويس حكاية الشخصية الخرافية ذات الرائحة العطرة. جميلة؟ نعم. مغرية ومثيرة. ولكنها فخ رادع عن الرذيلة. كذلك بابا درياه لدى سكان السواحل. و الذي يعمل على تخريب السفن وتخويف البحارة.

تاريخ

عودة إلى تاريخ فن الرسوم المتحركة، تقول إن مسقط رأسه يقع في القارة الأميركية. وأشهر من عمل به كان والتر الياس ديزني المعروف بوالت ديزني. حيث كان منتجاً ومدير صور متحركة، وخلال رحلته اخترع عددًا من الشخصيات المتحركة التي مازالت تزهو بذات الطفولة و تعيش بين الصغار إلى اليوم مثل ميكي ماوس ودونالد داك.

وبفضله حظيت الصناعة باهتمام عالمي. وكان والت ديزني أباً للفن أعطاه الكثير وبالمقابل فاز ب22 جائزة أوسكار عالمية وهو الرقم الأكبر في التاريخ. ويعتمد الفن بصورة أساسية على مجموعة من الصور التي تمر بسرعة مقنعة للعين بأنها متحركة. فهي مجموعة من الصور الثابتة المتتالية والتي تظل ثابتة عند رؤيتها للحظات قصيرة جداً تقارب 1/20 من الثانية.

بين توم وجيري. ومغامرات السندباد، ماذا يشاهد الأطفال اليوم؟ هل ينتظرون الرابعة عصراً؟ هل يصطفون بذات اللهفة أمام ليدي ليدي؟ هل يستسلمون لانتهاء فقرة الرسوم المتحركة ويهزمهم النوم عند التاسعة؟ كلا .. فهم أطفال العالم الرقمي ..

ولا بد أن تُوفر لهم الرسوم المتحركة على مدار الساعة. هم أبطال الديجيتال الذين يكبرون قبل أوانهم. ففي المسلسل الكرتوني تحاول مجموعة من الأطفال البالغين هم في النسخة العربية أمجد ويامن وسمر وشادي إنقاذ العالم الرقمي من الفيروسات والمعتدين بأسلوب خيالي معقد يمزج الواقع بالأسطورة. في حكاية لا تمت للواقع العربي بصلة. وبين سبيس تون وام بي سي 3 والكارتون نت وورك أصيب جهاز التحكم بالدوار. وتداخلت المسلسلات. فكان البديل حاضراً.

عبث

البلاي ستيشن وأبناؤها وأحفادها. من ألعاب الفيديو و الـ بي اس بي . والـ وي . تعطيك إحساساً بأنك المسيطر. تقود سيارة السباق.. وتلعب كرة القدم.. وتلاكم من تشاء بضربات قاضية في الهواء.. وتقطع عن أعدائك الهواء بدعسة على زر الإيقاف. فأنت تفصل وهي تلبس. تمام.

لكل زمن وسائله الترفيهية. العجيب أن جمهور ألعاب الفيديو لا يستثني الكبار ممن يدمنون جرعاتها بصورة يومية. لا يجرؤ أحد على مقاطعة خلوتها وإلا كان مصيره مجهولاً. بعد ذلك التحول .. كيف للصغار أن يتمتعوا بطفولة بريئة؟ مادامت الأدوار تبدلت.. حيث دخلوا هم نضجاً مبكرا، فيما يعاني الكبار من طفولتهم العابثة والمتداخلة مع أحلام الصغار.

أمل الفلاسي