جاء احترام وإنصاف العامل جزءاً من منظومة أخلاقية كبيرة متشابكة في ديننا الحنيف، وشكلت حقيقة استطاعت أن تؤثر على مجريات التاريخ عبر العصور، وغيرت من معطياته، وحددت معالمه، كما جاءت لتثبت الانسجام المتكامل بين الكون والحياة من جهة، وبين الإنسان في سلوكه من جهة أخرى.
الله تعالى جعل الإنسان في ظل الإسلام، رائدا في كل شيء لحركة الحياة من حوله، فكان معلما وأبا وأخا وقائدا، وفاتحا وبانيا وصانعا، بفعل ذلك الانسجام البديع الجميل، ولعل من معالم تلك المنظومة الأخلاقية الراقية، هو ما يتعلق في أوضاع العامل بشقيها الخاصة والعامة، حيث أمر الإسلام العظيم كأيديولوجية لمنهاج الحياة، بأوامر أمر باتباعها، ووضع زواجر حذّر من ارتكابها، وجعل في كل ما أمر عنه ونهى قوانين سارية إلى يوم القيامة.
وجعل المحرك الأعظم الذي يضبط هذه الحركة هو الخوف من الله سبحانه والطمع في رحمته، فلا سلطان على النفس غير سلطان السماء، ولا رقيب إلا الله وحده الذي يعلم السرّ وأخفى، لا خوفا من نقابة العمال، ولا خوفا من القانون الوضعي، ولا خوفا من صاحب العمل، بل الخوف من الذي يراقب ويرى، ويعلم كل الحركات والسكنات ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير..)
إن أدب الدعوة الذي التزم به النبي صلى الله عليه وسلم في مسلكه فتح على الإسلام قلوبا غلفا وأعينا عميا وآذانا صما فكان يقينهم بعظمة صاحب الدعوة دليلا إلى إيمانهم وكان إعجابهم بشخصية محمد النبي أسرع، واسبق من إعجابهم بشخصية النبي محمد فهناك فرق بين أن يعجب الناس بشخص الداعية لحسن سيرته وحميد أخلاقه فيقودهم هذا الإعجاب إلى الالتزام بدعوته وبين أن يعجب الناس بالدعوة نفسها فيسلمهم هذا الإعجاب بالتالي إلى الإيمان بصدق صاحبها.
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته فظا غليظ القلب، فلو كان كذلك لانفض الناس من حوله، وإنما دعا إلى الله على هدي وبصيرة وجادل بالتي هي أحسن وحاور بمقتضى العقل والحكمة فأخذت دعوته طريقها في رفق إلى القلوب، قلوب كانت قاسية فإذا هي مأخوذة بمنهج الدعوة وأدب الداعية فلانت كما يلين الحديد وذابت كما يذوب الجليد.
إن الأخلاق الإسلامية شأنها شان هذا الدين الذي أكرم الله به البشرية استجابة لفطرتها الخيرة، هذه الفطرة تميل بطبيعتها إلى مكارم الأخلاق وتنفر من الأخلاق السيئة فأي انحراف في مسار الفطرة إنما هو من صنع البيئة الخارجية، فكل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، ونحن لا نكاد نسمع عن عاقل أشاد بالخيانة أو البخل أو أثنى على كذاب أو جبان، فالعقل البشري حين ينقاد إلى دين الله ويأتمر بأمره يكون في مأمن من العوج فيؤدي وظيفته التي خلق من اجلها ميالا إلى المحاسن نافرا من المساوئ فان علته سحابة من جهل أو جاهلية اختلت وظيفته فيرى القبيح حسنا والمنكر معروفا..
كان هؤلاء يترفعون عن العمل وبخاصة العمل اليدوي والحرفي ويرونه عارا لا يليق إلا بطبقة العبيد. أما الحضارة الإسلامية فقد استعملت العمل بمفهوم شامل يتسع فينتظم الوظائف الإدارية الكبرى ويمتد فيشمل العمل الحرفي واليدوي فلكل من هذه الأعمال أثره في بناء المجتمع وتلبية احتياجاته وحفظ استقلاله وقد ورد في سنن أبى داود (من عمل لنا عملا فرزقناه رزقا فما اخذ بعد ذلك فهو غلول).
وكذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يحفز الهمم ويستنهض العزائم إلى العمل المهني في أحاديث كثيرة منها (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من ان يأكل من عمل يده).
أحمد عبد المجيد