قال الشيخ: لعل البعض يقول قد اطلنا الحديث عن البلاء وبصائر المسلم الواعي فيه الا ان ما يبرر اطالتنا ان ما حل من بلاء في البر والبحر لا يزال قائما وان الناس لا يزالون يئنون تحت وطأة أشكال من الحرمان والخطر والمرض فيلجأ كثيرون منهم إلى الأطباء النفسيين ان قدروا على دفع كلفة علاجهم ويجتر كثيرون آلامهم دون ان يجدوا متنفسا يساعدهم على الصبر والهدوء والاتزان وصولا إلى التفكير السديد في سبل الخروج مما هم فيه.
ونحن هنا بعون الله وفضله لا نكرر ما نقول وإنما ننظر في أسرار البلاء والابتلاء كما يمكن ان نجدها في القرآن الكريم والسنة النبوية وسير الصالحين وحكم العارفين، ما لنا فيما نقدم الا جهد المقل في التقاط الجواهر واللآلئ النفيسة من بحور الشريعة والحقيقة، فهو عطاء عظيم ودواء شاف ومواساة مطمئنة بفضل الله وكرمه ونسأل الله ان يجعلنا أهلاً لتبليغ هذه المعاني وان يجعلنا عبيد إحسان لا عبيد امتحان.
وانه مما يجدر قوله في اسرار الابتلاء ان الحق سبحانه تعالى ان كان قد من على جميع مخلوفاته برحمانيته فانه قد خص المؤمنين برحمته فوق نصيبهم من رحمانيته ومما يعنيه هذا ان المؤمن لا يصاب- باذن الله -الا باقل مما يصيب الكافر من بلاء وان الصالحين والسابقين من المؤمنين لا يصابون بإذن الله إلا بأقل مما يصيب الفاسقين ومن ثم الكفار.
فان قيل لماذا اذن كان الرسل والأنبياء اشد الناس بلاء وهم أصلح الناس؟ وان قيل انه قد ورد في الخبر ان الله إذا أحب عبدا ابتلاه، وان العبد يقبل على ربه بالعبادة في حين ان إقبال الرب عز وجل على عبده يكون بالبلاء فكيف يتفق هذا مع ما قررناه سالفا؟ قلنا اما الأنبياء والرسل فمن حكم ابتلائهم الا يقال عنهم انهم يدعون الناس إلى مالا يفعلون ويعلمونهم ما لا يقدرون عليه، ثم ان الابتلاء فيه إعداد وصقل وتسديد لكل مبلغ يعلمه الرحمة ويكسبه الصبر ويشعره بآلام الناس وأوجاعهم، اما ذلك الابتلاء الذي يخص به الله بعض أحبابه فتلك طبقة خاصة ارتقت وسمت بفهمها عن الله ومحبتها له وإقبالها عليه فهم يسلمون لله بما اراد ويرتضون لأنفسهم ما رضيه لهم، وهم يقفون على أعتاب الله يستعذبون التضرع والرجاء والتململ، لا يشكون ولا يملون بل يزيدهم البلاء حبا وإقبالا على محبوبهم عز وجل فهم كالجبال الراسيات لا تضيرهم العواصف ولا الانواء، فان نزلنا عن رتبة هؤلاء عادت سنة الله العامة في خلقه وهي انه يشمل المقربين اليه يلطفه ووده ورحمته وكرمه، فان استحقوا ان ينزل بهم عقاب على ذنب أو ان يوجه إليهم عتاب على معصية جاءهم من البلاء الطف مما يصيب غيرهم وكان البلاء بفضل الله ادبا لأغضبا.
فان قيل اننا نرى الكفار والفساق ينتشرون في الأرض مرحا يبطشون بالناس ولا يعاقبون ويعصون الله فيما أمرهم ولا يبتلون، قلنا ان الظاهر كثيرا ما يخدع والسعادة الحقيقية امر قلبي لا يعرفه الا الله، وكم يعذب كثير من الناس بأموالهم أو بقوتهم أو بما يظنه الآخرون من نعم الله عليهم، وقد رأينا في الشدات الأخيرة أثرياء عاشوا الجحيم لمجرد خسارات في أموالهم لم تخرج عن كونها أرقاما على ورق بحيث لم تمس حياتهم ولم يهدد امنهم، في حين ان من هم اقل مالا منهم بكثير ولعلهم اقرب إلى الفقر كانوا وما يزالون ينامون قريري العين لا يكدر صفو حياتهم إحساس بنقص أو حرمان.
ثم ان الحق سبحانه وتعالى ان عجل تأديبه للمؤمنين في الدنيا ليفوزوا بالدرجات العلى في الآخرة وان استجر الكافر أو الابق أو الفاسق إلى مزيد من الظلم والعصيان بنعم تنقلب عليهم عذابا فان هذا يكون من قبيل مكره عز وجل بمن اختار طريق حربه ورسوله،ونختم بدعاء نقول فيه: اللهم أعطنا ولا تحرمنا وزدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وامكر لنا ولا تمكر علينا استجب لنا أمين.
ماهر سقا أميني
