لم تكن كلمات مثل دي .اس. ال. وشات وايثرنت وهاكرز وديجيتال والنت والفيروسات والهارد ديسك منتشرة في المجتمع العربي قبل مجيء الانترنت لكنها سرعان ما دخلت قاموس الناس اليومي وأخذوا يتداولونها إلى جانب أشهر مأكولاتهم. وبدأ رب العائلة يخاطب أولاده ويعطيهم نصائحه قائلا: «لا تفتحوا الايميل من مصدر مجهول لأن المتسللين الهاكرز يسرقون معلوماتكم ولا تستقبلوا أية ملفات أثناء الدردشة «الشات».
أصبحت هذه اللغة مألوفة في الوقت الحاضر ليس في المجتمع العربي الحديث، وأصبح المشهد المألوف على الشكل التالي: الأولاد منشغلون بالدردشة عبر الماسنجر أو يحمّلون فيلماً أو مسلسلاً أو لعبة فيما الأم منشغلة بالرد على الموبايل وهي في المطبخ فيما الأب يشاهد مسلسلاً على شاشة التلفزيون في الصالة. الكل يتواصل مع العالم الخارجي. مشهد يتكرر في معظم البيوت المزودة بالانترنيت ما دفع بعلماء الاجتماع أن يعيدوا النظر في دراسة تنظيم العلاقات الاجتماعية فيها من خلال استخدام أفراد العائلة لوسائل الاتصالات المختلفة وتأثيراتها. وتحول الكمبيوتر إلى «غرفة افتراضية» و«مركزـ للميديا ـ بالنسبة للعائلة حيث يتم تخزين الأفلام والموسيقى والمعلومات.
وكثيراً ما يكون الكمبيوتر الواحد في العائلة سبباً في النزاع عليه بين الأفراد. يغضب الأب من ابنه البالغ من العمر سبع سنوات لأنه استولى على كمبيوتره بتشغيل مواقع الألعاب المجانية وبعد انتقال الأب إلى مشاهدة التلفزيون، يصر ابنه على تشغيل الـ «بلاي ستيشن» في وقت نشرة الأخبار. ثم تأتي الزوجة لتزاحم زوجها في البحث عن معلومة على الانترنت على الرغم من امتلاكها «لاتوب» خاص بها لأن الانترنت مربوط على كمبيوتر واحد. هكذا يجد الثلاثة أنفسهم يتزاحمون حول بقعة صغيرة في المنزل لا تتجاوز المتر المربع وهو مساحة المكتب الكائن في زاوية الصالة.
والكمبيوتر الذي يخلق حياة حميمة بين أفراد العائلة باعتباره «غرفتهم الافتراضية» هو أيضاً مبعث توتر لأنه يجتذب الزوج الذي ينفصل من علاقته الزوجية إلى علاقة من نوع آخر ولكنها حميمة أيضاً مما يثير الغيرة في نفس الزوجة من هذا الكمبيوتر «اللعين» الذي أخذ زوجها منها وبعث في نفسها الإحساس بالوحدة.
عادة لا يخلو جلوس الرجل أمام الكمبيوتر من حب الاستطلاع في غرف «الشات»، ومن هنا تبدأ «الخيانة الافتراضية»، كما يطلق عليها البعض لتتحول فيما بعد إلى «خيانة واقعية». وحسبما تقول مراكز البحث، إن غرف الدردشة هي أكثر الأسباب وراء انهيار العلاقات الزوجية.
وتقسيم الفضاء في البيت ينطبق على عالم العمل. فالانترنت والموبايل أديا إلى استهلاك وسائل الاتصال واضطراب تنظيمه بحسب الخبراء. فمن خلال دراستهم لـ «العلاقة الجديدة لوسائل الاتصال» وتصويرهم لما يحدث في البيوت، توصلوا إلى أن تنظيم هذا الاستخدام يتم على ثلاث مراحل: في الصباح مطالعة الحسابات المصرفية وفتح البريد الالكتروني «الايميل». وفي منتصف النهار، ساعة التسلية. وفي المساء، تنظيم العودة من العمل بالاستعلام حول حالة الطرق والازدحام أو استشارة برامج عروض السينما. والمدراء في العمل قد يتحملون استخدام الموبايل والانترنت أثناء العمل لكن اللجوء إلى غرف الدردشة «الشات» وسماع الموسيقى وتحمليها من شأنه أن يقضم وقتاً طويلاً من ساعات العمل. بين البيت والعمل يعيش الناس حياة حميمة يغذيها الانترنت وينظمها جهاز واحد اسمه الكمبيوتر.
شاكر نوري
