يستقبل الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في أبوظبي اليوم فريق العمل الوطني بقيادة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية الذي نجح في تنفيذ حملة دبلوماسية كبرى عبر العالم للفوز باستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «إيرينا» في أبوظبي.

وكانت حملة الفريق استمرت أشهرا عدة استهدفت نحو 90 دولة، وهي الحملة التي وصفها عدد من المراقبين بأنها مادة للدراسة في الجامعات. وبسبب دقة التنظيم ووضوح الهدف والرؤية لدى الفريق كانت الإمارات على موعد حقيقي مع التاريخ في 29 يونيو الماضي فقد سطرت اسمها بأحرف من ذهب، وحفر كل فرد عمل في ملف الدولة لاستضافة وكالة الطاقة المتجددة «إيرينا» حروف اسمه أمام أبواب هذا المقر الذي فازت به فقد كانت بحق دبلوماسية «إيرينا» التي يستوجب تدريسها في كليات السياسة بالجامعات.

وإذا كانت الإمارات سطرت اسمها بأحرف من ذهب حقيقي بل سطرت اسمها بشكل حقيقي في «الطاقة المتجددة» سواء على قرص الشمس أو هبات الرياح أو موجات البحر فكل هذه الاستخدامات الحقيقية للطاقة المتجددة تؤكد أن تاريخ فوزها بهذه الاستضافة لمقر الوكالة الوليدة يوم تاريخ يجب أن يحتفل به سنوياً.

خلال حديثي السريع مع بعض الدبلوماسيين الإماراتيين والعرب خلال تشريفي بالتواجد بهذا الحدث الذي عقد خلال الفترة من 29 إلى 30 يونيو الماضي في شرم الشيخ بمصر قالوا إن المنافسة أمام دول في الاتحاد الأوروبي على استضافة مقر وليد ليس بالأمر السهل فقد يواجهونك بمعوقات كثيرة منها انك دولة نامية رغم أننا دولة نفطية وقد يواجهونك بأنك دولة «عالم ثالث» مثل ما يقال إلا أننا دولة متحضرة. الخلاصة أن الرحلة إلى شرم الشيخ بدأت منذ يناير في بون كيف؟

هذا ما أجاب عليه سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية حين سألناه مباشرة بعد الفوز في اجتماعات الوكالة في شرم الشيخ عن المنافسة «حيث أجاب» لقد تواجدنا في بون بدعوة من ألمانيا لتأسيس وكالة الطاقة المتجددة وقد لبينا الدعوة ووقعنا على ميثاق تأسيس الوليد الجديد وهي الوكالة ورغبنا بكل تواضع أن نستضيف المقر وحققنا المراد بجهد كبير شاركت فيه كوادر وطنية ذات خبرة وحنكة استطاعت أن تقنع الجميع بما فيهم دول في الاتحاد الأوروبي بأهمية ملف الإمارات أمام المنافسة من الدولة الأم الداعية لتأسيس الوكالة.

ويستطرد سموه قائلاً نحن فخورون من عمان إلى المغرب بالاستضافة فقد كان لنا تحدٍيا استطعنا أن ننجح به ولكن ماذا حدث منذ توقيع الإمارات على وثيقة التأسيس في يناير؟ ما حدث كان بمثابة «الحلم» لكل إماراتي فاستضافة مقر وليد بحجم وكالة الطاقة المتجددة يعتبر خلال السنوات الخمس المقبلة بمثابة استضافة أمم متحدة «مصغرة» عن الأمم المتحدة في أميركا، فكل الوكالات والمنظمات المتخصصة مثل «اوبك» ووكالة الطاقة الذرية لها دولها سواء المنتجة للنفط أو التي تستخدم الطاقة الذرية فالأمم المتحدة كل دول العالم تشارك بها مثل وكالة الطاقة المتجددة المقرر استضافتها في الإمارات فكل الدول ترغب بالانضمام والاستفادة من الطاقة المتجددة ومن برامج هذه الوكالة واستشاراتها في المستقبل.

بداية دبلوماسية «إيرينا»

تم في يناير الماضي إخطار الجميع في الوزارات والجهات الحكومية أن الإمارات قد وقعت رسمياً على وثيقة إنشاء وتأسيس وكالة الطاقة المتجددة، وتم إبلاغ الجميع أن الإمارات ترغب في استضافة المقر وكانت «دبلوماسية إيرينا» حشدت الإمارات طاقاتها من خلال وزارة الخارجية وكافة الوزارات والجهات الحكومية لمساندة هذا الملف «الأصعب» في نظر البعض والأسهل في نظر الكثيرين إذا ما تم كما يجب لدرجة أن بعض الدبلوماسيين الأجانب قالوا إن الموقف كان صعباً أمام دولة مثل ألمانيا أو النمسا والأمر يحتاج إلى جهد جبار لإنجازه ولكن الأمر لم يكن بالمستحيل حسب تصريحات الدبلوماسيين الأجانب.

فالأمر يحتاج إلى مثابرة وعزم وكان هذان الأمران متوفرين لدى كوادرنا الوطنية في البعثات الدبلوماسية في أرجاء العالم شتى، وعلى رأسها بعثة الإمارات الدائمة في الأمم المتحدة.

واعتبر دبلوماسيون إماراتيون وعرب أن «ملف دبلوماسية إيرينا» يمكن الأخذ به والتعامل معه في أي محفل دولي ترغب الإمارات في استضافته سواء على الصعيد الاقليمي أو الدولي مستقبلاً لأن التناغم وحشد الطاقات في هذا الملف يعتبر من الدروس الحقيقية التي ساهمت في إنجاحه فلا يصعب على الإماراتيين مستقبلاً في تحقيق أي إنجاز لاستضافة أي حدث مع نجاحهم في استضافة مقر وكالة الطاقة المتجددة «إيرينا».

الأمم المتحدة

قامت البعثة الدائمة للإمارات في الأمم المتحدة بحشد الطاقات منذ يناير 2009 من خلال اتصالات مكثفة استطاعت توحيد الآراء والأفكار المتعلقة بدول العالم على أهمية ملف الإمارات لاستضافة مقر الوكالة الوليدة للطاقة المتجددة وقد ساهمت البعثات الدبلوماسية التابعة للإمارات في ذات الخط على الملف ذاته لدرجة أن دولاً أجنبية استغربت الموقف إلا أن التحدي كان كبيراً ويجب تحقيقه وعلى مدار الأشهر الستة الماضية استطاعت الدولة حشد الطاقات وتوحيد مواقف تلك الدول حول ملف الإمارات للاستضافة خاصة الدول النامية التي كانت بحاجة ماسة إلى الطاقة المتجددة لافتقارها إلى الموارد الرئيسية الطبيعية للطاقة مثل النفط والغاز، الطاقة الأرخص حالياً دولياً.

يقول دبلوماسي إماراتي لم يرغب في الافصاح عن اسمه في إحدى دول العالم جاءتنا التعليمات بتكثيف الجهود في هذا الملف وخاطبنا الجهات المعنية في الدولة التي تمثل الإمارات فيها وكان الرد «نحن معكم رغم علاقاتنا الجيدة بدول منافسة لملفكم قناعة منا بجدية الإمارات وثقتنا بكم»، هذه محصلة بسيطة لردود الفعل العالمية.

وبالفعل تم إنشاء غرفة عمليات ضخمة في أبوظبي لمتابعة سير كافة البعثات الدبلوماسية الإماراتية في العالم وأهم إنجازاتها وتحركاتها لحشد التأييد لملف الإمارات ليوم 29 يونيو حيث تم تقسيم الدول لخمسة مستويات المستوى الخامس هو المستوى الأفضل والمؤيد والمستويات من الرابع إلى الأول هي الدول التي مازالت تتفاوض ولحين موعد الاجتماعات في شرم الشيخ كان عدد الدول التي وصلت إلى المستوى الخامس وهو المستوى المؤيد بالكامل 75 دولة من إجمالي 114 دولة وقعت على وثيقة التأسيس لحين وصل عدد المؤيدين لملف الإمارات في ختام الجولة وإعلان الفوز 101 دولة من إجمالي 129 دولة في اليوم الذي كان مقررا به التصويت ما دفع ألمانيا والنمسا إلى الانسحاب تحسباً لفشلهما في التصويت.

وكثفت البعثات الدبلوماسية اتصالاتها على مستوى العالم خلال شهري يناير وفبراير وبدءا من شهر مارس بدأت الزيارات المكوكية للوفود الرسمية لمعظم دول العالم بقيادة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية الذي كان يحث الجميع على مواصلة المشوار رغم الصعوبات التي تواجه البعثات في بعض الأحيان. كان سموه يقول استمروا فالفوز من نصيبنا بإذن الله ولا تتراجعوا أبداً.

في هذا السياق يحدثنا عيسى عبدالله الباشة النعيمي مدير إدارة الشؤون الإفريقية «كان سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان يتابع الموقف عن كثب في اتصالاتنا بالدول وكان يقول دائماً سمعة الإمارات لدى دول العالم سوف تسهم في التأييد وسوف تشعرون بذلك وبالفعل كان هذا الرهان الذي حقق من خلاله النجاح»، سمعة الإمارات الدولية سواء على صعيد دعم ومساندة الدول النامية ومواقفها المشرفة في كل محفل من المحافل الدولية ساعدنا في كسب المزيد من التأييد. فقد اتبعنا مبدأ السياسة الناعمة.

واستمرت الرحلات المكوكية للوفود الرسمية على مستوى العالم من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب دون هوادة وقد نجحت الإمارات من خلال متابعة ملف «إيرينا» أن توسع قاعدة علاقاتها الدبلوماسية في العالم ومن ثم سينعكس ذلك إيجابياً في أي ملف آخر تتولاه لأنها اكتسبت ثقة العالم من خلال شفافيتها ومصداقيتها في التعامل مع ملف «إيرينا».

وقد استمرت هذه الرحلات بقيادة عبدالله بن زايد آل نهيان خلال شهور مارس وأبريل ومايو لحشد التأييد ليصل عدد الدول التي تمت زيارتها إلى 90 دولة استعداداً ليوم 29 يونيو الماضي.

وواصلت غرفة العمليات التي تم انشاؤها في الدولة لمتابعة الدول المؤيدة للملف تسجيل أسماء الدول التي ستحضر الاجتماعات في شرم الشيخ وقد تم نقلها بالكامل إلى شرم الشيخ لمتابعة الملف إذ تم تخصيص شخص من الطاقم الإماراتي الذي يعمل على الملف لمتابعة 7 دول فقد وصل عدد العاملين على الملف في شرم الشيخ لأكثر من 95 فرداً إلى جانب السفراء وأعضاء السلك الدبلوماسي الإماراتي في معظم دول العالم والذين شاركوا وحضروا الاجتماعات.

وكان الدعم العربي واضحاً منذ البداية بقوة في مساندة الإمارات إلى درجة أن بعض الدول مارست اتصالاتها مع دول صديقة لحشد الدعم للإمارات في هذا الملف.

سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان قال في هذا السياق كل الشكر للدول العربية التي ساندتنا وقد قامت بدور فعال وقوي بالحضور أو بالتأييد لملفنا. لدرجة أن شخصيات سياسة عربية ساهمت في دعم هذا الملف مثل الأخ محمد بن عيسى وزير خارجية المغرب السابق. ود. غسان سلامة وزير الثقافة اللبناني الأسبق فكل الشكر لهم على دعمهم المتواصل.

واستمرت الرحلات المكوكية تحط رحالها في شرم الشيخ دون هوادة إلى أن يوم الحسم يوم 29 يونيو في شرم الشيخ لتحديد الدولة المقر للوكالة الوليدة فالبعض لم ينم قبلها بليلة ترقباً للحدث وجاء الجميع للمشاركة في افتتاح الاجتماعات وكله أمل بالنجاح وعلى رأسهم سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان الذي كان يترأس الوفد الإماراتي والابتسامة لم تفارقه فقد حرص على الالتقاء بكافة أعضاء الوفود الرسمية المؤيدة للإمارات.

وكان سموه يقول «إن هذه الوكالة ليست للإمارات فحسب بل للجميع، والكل مستفيد منها».

بدأت الاجتماعات صباحاً بالكلمات الترحيبية وألقت معالي الشيخة لبنى القاسمي كلمة وفد الإمارات الرسمي ومن ثم تم توقيع 15 دولة على وثيقة التأسيس على رأسها الولايات المتحدة الأميركية وتواصلت الاجتماعات لحين تم عرض ملفات الدول المنافسة لاستضافة المقر.

وجاء دور الإمارات في عرض ملفها بعد النمسا وألمانيا فقد كان عرضاً مذهلاً قدمه د. سلطان أحمد الجابر الرئيس التنفيذي الذي قدم فيه كافة فنون العروض لدرجة أن التصفيق استمر لعدة دقائق بعد الانتهاء من العرض الإماراتي دليلاً على استحسان الجميع.

ومر الوقت لحين رفع الجلسات للغداء وكانت مدته 45 دقيقة هي الأصعب في تاريخ العاملين على هذا الملف الإماراتي الذين جدوا واجتهدوا منذ الأشهر الستة الماضية، وبعد الغداء أعلنت كل من ألمانيا والنمسا الانسحاب طواعية أمام التأييد الدولي الذي شعروا به خلال مفاوضاتهم مع أعضاء وفود الدول خلال غداء العمل ونجحت الإمارات وقفز الجميع من الفرحة فقد اختلطت الدموع بالفرح وكان لنا النجاح في نهاية المطاف.

السركال دبلوماسي أم رجل أعمال؟

ابتسامته كانت لا تفارق وجهه فهذا عيسى بن ناصر السركال رجل الأعمال المعروف في الإمارات وله جولات مكوكية في هذا الملف فقد استطاع بعلاقاته العديدة في إفريقيا وآسيا وأوروبا المساهمة بشكل قوي في حشد التأييد للملف الإماراتي في استضافة «إيرينا» فالبعض يسأله هل أنت دبلوماسي أم رجل أعمال؟ فيقول «أنا إماراتي أحب بلدي ولذلك اتيت اليوم لمواصلة عملي الذي بدأ قبل شهور لمساندة هذا الملف» ولم تكن الفرحة تسعه حيث تم الإعلان عن الفوز.

السركال يجيد لغات عدة منها الهندية والإنجليزية والروسية فقد وقف مع معظم أعضاء الوفود الدبلوماسية المشاركة في الاجتماعات خلال حفل الاستقبال الذي نظم قبل ليلة من التصويت وقد نجح بقدراته في التواصل مع كل أعضاء الوفود لدرجة أنه تحدث في اليوم الأول للاجتماعات مع الألمان والنمساويين المنافسين لملف الإمارات سعياً منه لإقناعهم بقوة موقف الإمارات في هذا المحفل.

فاستحق «بوعبدالله» كل الشكر من جميع الدبلوماسيين الإماراتيين حيث اشادوا بقدراته التفاوضية.

استمرار الترحيب الدولي

تواصل ترحيب العديد من الجهات والمؤسسات الدولية باختيار أبوظبي مقرا للوكالة الدولية للطاقة المتجددة «إيرينا».

وأشاد كبار المسؤولين في الدولة بالجهود التي بذلت لتحقيق هذا الفوز الذي يعكس التقدير العالمي لدولة الإمارات العربية المتحدة.

وأكدوا أن هذا الاختيار يعكس تقديرا عالميا لدولة الإمارات العربية المتحدة ولجهودها في مجالات استشراف موارد الطاقة المتجددة ونشر استخداماتها.

ورحب مسؤولون وبرلمانيون وخبراء اقتصاديون من مختلف الدول باستضافة دولة الإمارات للمقر الرئيسي للوكالة العالمية للطاقة المتجددة «ايرينا»، مؤكدين أن ذلك دليل على نجاح السياسة الخارجية للدولة التي يقودها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية لأنه جاء في ظل منافسة شديدة من دول أوروبية عريقة كألمانيا وفرنسا والدنمارك والنمسا التي تملك خبرات واسعة في العمل الدبلوماسي والمؤسسي والعلمي.

وأضافوا أن كل المقومات الضرورية توافرت للوصول إلى هذه النتيجة التي تمثل مجالا للاعتزاز ليس فقط لدولة الإمارات وإنما أيضا للعرب مجتمعين، وفي مقدمة هذه المقومات الرؤية والقرار على مستوى رئاسة الدولة وصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة الذي يضع عينا على الحاضر لإسعاد شعبه وعينا على المستقبل لضمان سعادة الأجيال الآتية، وهي الرؤية التي يشاركه فيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة وكان لا بد من القيام بحملة دبلوماسية كثيفة ومتشعبة ومقنعة في هذا السبيل وقد قام بها بكل جدارة وكفاءة وفعالية وسمو الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية.

شرم الشيخ ـ علي شهدور