جلست بزهو على كرسي الكوافير،، بثقة وانطلاق.. تتحدث كأن لا آثار للذكرى في حديثها أو جسدها.. كحمامة خرجت من عبودية القفص للتو .. هي طائرة.. بينما في نظر الآخرين تتأرجح على صفحة الماء عليها السعي لأقل قدر من الخسائر .. استسلمت ليدي مصفف الشعر .. عبرت عن رغبتها في مظهر يفوق ليلة عرسها ألقاً وجمالاً. اليوم حفلة طلاقي.. باسمة منتصرةً .. هزت ممالك الضجيج بكلمتها.. وفاق هدوؤها دوي أجهزة السيشوار.. انتهى

مشهد درامي في أحد المسلسلات العربية. هل استباحت الدراما تفاصيل حالات فردية وروّجت لها؟ أم أنها رسالة نذير لتدارك الوضع والحد من استفحاله؟ ممكن..

دراما

منذ أن تعرف العرب إلى فنون السينما والدراما، وهم يجيدون إقحامها في المزيد من تفاصيل حياتهم، فبعد الاحتفاء بالموروث من الشخصيات التاريخية.. تناولوا عبر الدراما قضايا عجزوا عن حلها.. وخيبوا ظن الواقع المليء بالخيبات واتفقوا. ودون أن يدروا خطفوا اهتمام النشء برحلات تجريبهم المغامرة، شوهوا مفاهيم تربوية وأفسدوا علاقات مقدسة بدعوى الكوميديا المسلية. تخفيفاً من وطأة الحياة المثقلة بقضايا سادت مثل الفقر والبطالة، وأوغلوا في استنزاف القيم. واستبدالها بأخرى هزيلة.. فكان تأثيرها مخدراً.. بينما القيم التربوية هي ذاتها.. منذ وجدت الخليقة وحتى يُحشر الخلق. ذلك لا يُقلل من قيمة دراما مشرقة وكوميديا ترفعت عن الإسفاف. صنعها اصحاب العقول النيّرة. تركت عبرات وابتسامات على وجوه المشاهدين. ولها كل التحية.

وبين مفاهيم تربوية وعلاقات مقدسة بقيت المرأة في الدراما عرضة للتجريب بقضاياها وعلاقاتها. حتى جاء زمن الأخت هايفه وأبهرت من أبهرت بماكياجها.. وبقوامها وإيحاءاتها الكفيلة بإفساد قبيلة برمتها.

مراحل

كي تعيش الأنثى مراحل حياتها بصورة طبيعية تتوالى فيها الأحداث السعيدة. لا بد أن تكون النهايات في بيد العدل. كلام معقول.. فالمصطفى صلى الله عليه وسلم يقول «إن جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه». وعلى الجانب الآخر قال «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك». تلك إضاءات يهتدي على نورها العباد. وإغفالها حتماً له عواقب. بعد أن قالت السنة النبوية كلمتها كان على بني البشر حرية اختيار شريك الحياة.

هناك في أروقة المحاكم يدور حديث جاد. بالرغم من كونه لا يُرسي المستمع على بر واضح. ولكنه يقول إن ثلث حالات الزواج تُمنى بالفشل. أي أن نسبة الطلاق في مجتمعنا تحوم حول الثلاثين بالمئة. هل أصبح الطلاق قضية علنية؟ يسهل الحديث عنها والاحتفاء بها؟ ليست تلك محاولة لحصر الأسباب.بل رصد واقع راهن وإيقاف الزمن لتأمله بالمزيد من المسؤولية.

فحالات الطلاق نخرت الأحاديث. لاسيما حديثة العهد. فشل البدايات خطير. يضع العلاقة تحت ضوء التساؤلات والتأويلات.. وتهدد مستقبل الطرفين. كما أضحت الجرأة في تداول مفهوم الطلاق ثقافة يروج لها البعض ويستسهلها متذرعاً باعتباره حلالا. بينما الصبر والتضحية مفاهيم تغيب عن بعض العرسان الجدد.

هنا، في زمن قريب؛ عاشت الأختان تجربتين متوازيتين أثمرتا البنات والبنين. بشهادة المقربين كلتاهما فاشلتان. ولكن الأولى محصنة النظرة الاجتماعية، تحفظ أسرار الفشل داخل أسوار المنزل. واستمرارها في الزواج هو كرمى للأولاد وتقديساً لكبار السن في العائلة. بينما الأخرى تُستباح حياتها لفشلها العلني وقرارها الاعتراف به والعيش في منفى الطلاق. فالرضوخ للحياة الزوجية لا يعني بالضرورة نجاحها. ولكن لأن ذلك في ثقافة المجتمع أسلم من الطلاق، وتوابعه التي تلاحق الأبناء والبنات بصفة خاصة.

دون الخوض في فلسفات عميقة. قد يكون الاستعجال في قرارات الزواج، والخوف من تقدم الفتاة في السن وبالتالي انحسار فرص الارتباط، هاجس الأهالي بضرورة تزويجهن. فالعنوسة شبح يدفع الفتاة من برود روتين الحياة أحياناً إلى قرار يشعلها بجمر الطلاق.

تساؤلات

هل كان أجدادنا أكثر حرصاً على نجاح الحياة الزوجية؟ أكانت حياتهم تنعم بمغريات أقل؟ أتراها كانت سعادةً تلك التي عاشوها بمفردات أولية؟ تقاسموا حباتها بفرح كبير؟

هل كانت جداتنا أكثر صبراً على أثقال الحياة الزوجية؟ وتقلبات أجواء الزوج وأمزجته؟

هل سيطر الحلم الوردي على فتيات اليوم؟ وأصبحن مقيمات بين أسوار الفساتين والعواطف المعلبة التي تتيحها الحياة الزوجية هذه الأيام؟

ترى كيف هم أبناء جيل انشغلت أمهاته مع أصبوحات في المول على شرف البلاك بيري؟ وآباء هم بحاجة فعلاً لمن يرعى أبوتهم ويعيد تشكيل طفولتهم؟؟ هل بعد ذلك نتوقع جيلاً يعيد اختراع العجلة بينما سواده الأعظم لا يتعرف إلى القراءة؟

لن نذهب بعيداً .. في ذات الزمن .. هل كانت المطلقة عبئاً اجتماعياً؟ أم تجربةً غير موفقة لفظتها الأيام على سطح زجاجي فتكاثر الرماة والمتفرجون كما هو الحال اليوم؟ .. كلا .. كانت قسمةً ونصيبا .. كما الزواج تماماً.

هل أغفلت الأمهات تربية ذات الدين؟ أم صاهر الآباء ذوي المال والوجاهة الاجتماعية على حساب الخلق والدين؟

تلك عناوين تنثر الملح على الجرح. الزواج ليس النهاية.. بل بداية تستحق أن تدشن بفرح واستعداد تام، وإلا فكان الطلاق نهاية درامية. فبنات اليوم غير أمهات الأمس.

أمل الفلاسي