يشكل الإبداع الأدبي أحدى الدعائم التي تقوم عليها الأمم والحضارات، لذلك نال عناية فائقة على مدى التاريخ الإنساني الطويل؛ وفي الحضارة الإسلامية التي تأسست على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، نجد أن هذين المصدرين الشريفين قد أوليا اهتماما خاصا لما ينبغي أن يكون عليه الإبداع الإسلامي من ضوابط، حيث نجد في السنة النبوية الشريفة بوجه خاص، توجيهات نبوية شريفة تعكس بحق ما ينبغي أن يتحلى به المسلم في إبداعه من مسؤولية وانضباط يليق بإنسانيته وبِتَحَضُّرِهِ، وبالتكريم الذي خَصَّهُ به الله عز وجل في هذه الأرض.

ومن المعلوم أن الإنسان العربي كان مَجْبُولاً على قول الشعر، يجري على لسانه في كل شؤون حياته الخاصة والعامة، وفي كل ما يَعِنُّ له أو يعترضه في حَلِّهِ وتَرْحَالِهِ المستمر، فقد كان الشعرُ ثقافَتَهُ وعِلْمَهُ بكل المقاييس، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:« كان الشعْرُ عِلْمَ قَوْمٍ لم يكن لهم عِلْمٌ أَصَحُّ مِنْهُ».

وهذا يعني أن العرب مع البعثة النبوية كانوا قد ورثوا كَمّاً هائلا من الشعر عن أجدادهم الذين خَلَّدُوا به مآثر كل قبيلة على حدة أيام الوثنية الجاهلية، به يَتَبَاهَوْنَ ويتفاخرون، وبه يخاصمون وينتصرون لهذا الطرف أو ذاك، ولكنْ أَمَا وقد جاءت مِلَّةُ التوحيد، وأَذِنَ الله عز وجل بميلاد دين جديد يدعو إلى التوحيد ويَنْبُذُ الوثنية، ويؤلف بين القلوب ويجمع الشمل والكلمة، فقد كان لزاما أن تنشأ نظرة جديدة إلى هذا الموروث الشعري الجاهلي أو قُلْ ـ إن صح التعبير ـ إلى هذه الثقافة الجاهلية، تنبع من النظرة الإسلامية الشاملة إلى الحياة الإنسانية عقيدةً وشريعةً وفكراً وثقافةً.

وهنا تكمن عظمة الإسلام، ونلمس العمق الإنساني في نظرته إلى الموروث الشعري العربي أيام الجاهلية، فالنظر العميق فيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث شريفة، ومن أقوال كبار الصحابة رضوان الله عليهم، يجد أنهم تعاملوا مع هذا الموروث الشعري على أساس أنه إبداع إنسانيٌّ، لكنه لطخته الوثنية الجاهلية بشركها وعاداتها وتقاليدها المختلفة، فَنَتَجَ عن ذلك أنْ مَيَّزُوا في هذا الإبداع بين نمطين كبيرين من الشعر؛ فالشعر الذي يعبر عن الإنسان القلق الحائرِ، والخائفِ على مصيره، والمتسائلِ عن الغاية من وجوده، والباحثِ عن الحقيقة في كُتُبِ أهل الكتاب مما كان يتسرب إلى جزيرة العرب، والمنقِّبِ عن بقايا الحنيفية الإبراهيمية.

فقد روى الإمام البخاري فقال:« حدثنا إسحق قال:حدثنا محمد بن الفُضَيْل عن الوليد بن جميع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مُنْحَرِفِينَ ولا مُتَمَاوِتِينَ، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أَمْرَ جاهليتهم، فإذا أُرِيدَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الله دَارَتْ حَمَالِيقُ عَيْنَيْهِ كَأَنَّهُ مَجْنُونٌ».

فهذه المجالس تضم أكمل الخلق، محمداً صلى الله عليه وسلم، وأفضل ما في هذه الأمة، صحابته رضي الله عنهم، وهم أعلم الناس بكلام العرب، وبالضوابط الشرعية التي عَلَّمَهُمْ إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فَلُغَةُ المجلس أَنْظَفُ لغة وأصفاها وأضبطُها، ومع ذلك، فهم يتكلمون في أمر الجاهلية ويتناشدون أشعارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتابع بحرص المعلم الأمين ما يَتَفَوَّهُ به أصحابه، لأن أقوالهم وأفعالهم في حضرته صلى الله عليه وسلم تشريعٌ لِمَنْ بَعْدَهُمْ في هذه الأمة.

و هذا يجسد بوضوح ذلك البعد الإنساني العميق في النظرة النبوية الشريفة إلى الشعر، فهي تأخذ من الإبداع الجاهلي ما يعبر عن الإنسان البريء، الناطق بالحكمة المعبرة عن مشاعر الإنسان وخَلَجَاتِهِ بما هو إنسان، وليس بالكلام البذيء الذي يحط من هذه الإنسانية ذاتها إلى مدارك الحيوان الْمُمَجِّدِ للشُّذُوذِ واللَّذَّةِ والْخَطِيئَةِ، أو التي تقدس الحجر فَتَعْبُدُه من دون الله عز وجل؛ وكأني بمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقوم بعملية التصفية للإرث الشعري العربي، فيأخذ منه ما يتلاءم مع الشعور الإنساني النبيل وذوقه الفطري السليم، وينبذ ما يتعارض مع دينه وإنسانيته، لأن ما يعارض الدين الإسلامي، يعارض بالضرورة الفطرة الإنسانية (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) الروم 30.

فالإبداع العربي قبل الإسلام هو إنتاج إنساني، فيه الغَثُّ والسمين والطَّيِّبُ والرديء، فليس من العدل أن يقاس كله بمقياس واحد، وأن يُهْمَلَ كلُّه بحجة أن قائله ليس بمسلم، لا، لأن عظمة الإسلام تكمن في تهذيب الإنسان وإصلاحه وتكريمه، وليس في هدمه وتحطيمه، وأولى هذه الجوانب استدعاءً لهذا الإصلاح وذاك التهذيب، بعد تصحيح عقيدته وتنقيتها، هو فكره وثقافته، فما كان من إبداعه فطريا وإنسانيا لا يصادم الحق ولا يضاد العقيدة الإسلامية، وَجَبَ احتضانه وتزكيته مهما كان قائله، لأنه أَوَّلاً وقبل كل شيء، هو إنسان له أحاسيسه وعواطفه التي أودعها الله عز وجل فيه، ليعبر بها عن فطرته وإنسانيته في إبداع يُؤْخَذُ منه ويُتْرَكُ، ويُقْبَلُ منه ويُرَدُّ، وهذا هو هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم.

وأما البعد الفطري، فهذا البعد مرآة تنعكس فيه الطبيعة السَّوِيَّةُ للإنسان المبدع، بما تجسده من تمييز دقيق بين القول الحسن الذي تميل إليه جِبِلَّةُ الإنسان السَّوِيِّ وفِطْرَتُهُ، وبين القول الفاسد الرديء الذي تنفر منه هذه الفطرة تلقائيا، صِيَانَةً لمروءتها ولطهارتها التي فُطِرَتْ عليها أول مرة.

وأما البعد الأخلاقي: فهو القطبُ وعليه المدارُ، كما يظهر من خلال نظرة السنة النبوية إلى الإبداع الأدبي بما يجسده من خُلُقِ المسلم في أقواله وأفعاله، خاصة وأن الإبداع يجسد، بطريقة من الطرق، تفكيرَ المسلم وسلوكَه معا، وتتجلى معالم هذا البعد في مقصدين اثنين هما: التعبير عن الخلق النبيل في الإنسان، والانتصار للإسلام بالقيم الإنسانية النبيلة.