حث الإسلام على العمل ونهى عن سؤال الناس، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» ففيه الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك إذ لا عيب في العمل من أجل الكسب، وفيه فضل العمل باليد وتقديم ما يباشره الشخص بنفسه على ما يباشره بغيره وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل بنفسه ويأكل من عمل يديه حتى أنه رعى الغنم لأهل مكة قال صلى الله عليه وسلم: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم» فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة».
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أكل أحد منكم طعاماً أحب إلى الله عز وجل من عمل يديه». وقد كان جملة من الرسل والأنبياء يعملون ويأكلون من عمل أيديهم فداود عليه السلام كان صاحب صنعة ويأكل من عمل يده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده» والحكمة في تخصيص داود بالذكر في الحديث أن اقتصاره في أكله على ما يعمله بيده لم يكن من الحاجة لأنه كان خليفة في الأرض كما قال الله تعالى وإنما ابتغى الأكل من طريق الأفضل ولهذا أورد النبي صلى الله عليه وسلم قصته في مقام الاحتجاج بها على ما قدمه من أن خير الكسب عمل اليد، وفي الحديث أن التكسب لا يقدح في التوكل. والذي يظهر أن الذي كان يعمله داود بيده هو نسج الدروع وألان الله له الحديد، فكان ينسج الدروع ويبيعها ولا يأكل إلا من ثمن ذلك مع كونه كان من كبار الملوك قال الله تعالى: «وشددنا ملكه» ومع ذلك كان يتورع ولا يأكل إلا مما يعمل بيده، وقد قال الله تعالى (وعلمناه صنعة لبوس لكم).
قال القرطبي: هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب وهو قول أهل العقول والألباب لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء فالسبب سنة الله في خلقه فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة، ونسب من ذكرنا إلى الضعف والمنة.. فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس ويدفع عن نفسه الضرر والبأس.
وهناك كسب آخر طيب وحلال من غير عمل اليدين المباشر وهو كسب ولد الرجل وهو يعد من كسبه أيضاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه».
رجاء علي