المراقب لأخبار الساعة يدرك بوضوح حالة الهلع التي تسود العالم، منذ بداية انتشار جنون البقر إلى إنفلونزا الطيور ثم الخنازير، وهذا الرعب مبرر حيث إن الفيروس يتملك قدرة هائلة على التغير بصفة دائمة، فكلما تمكنا من الوصول لمصل، بدل الفيروس في خريطته الجينية ليفقد المصل قدرته على العلاج، وينتشر الفيروس بسرعة كبيرة، ويمكن أن يتحور من فيروس يعيش في أجساد الطيور والخنازير إلى أجساد البشر.
إن هذه الأمراض لها علاقة وثيقة في البيئة والثلوث التغيرات المناخية التي نعيشها، وللتعرف أكثر على أسباب ظهور هذه الأمراض وارتباطها في البيئة، التقت «البيان» الدكتورة طرفة الشيبة الشرياني اختصاصية البيئة والتي قالت:
إن الفيروس وباء عالمي، وأصبح مشكلة كبيرة، وساعدت المطارات والموانئ على انتشاره، والسبب الرئيسي للإصابة بالفيروسات، هو عجز الجهاز المناعي عن التصدي لهذه الفيروسات المسببة للأنفلونزا.
وسبب أضعف جهاز المناعة في حماية الدواجن من الإصابة بفيروس H1N1، الذي جاء من جراء هجرة الطيور من الشمال البارد إلى الجنوب الدافئ مثل النورس، التلوث الكيمائي للبيئة وخاصة بمركبات الديوكسين، هو السبب المباشر للتدهور المناعي وانتشار فيروس إنفلونزا الطيور بقسوة خاصة في شرق آسيا.
والديوكسين هو اسم لعائلة من المركبات الكيميائية والتي يزيد عددها على 400 مركب شديد السمية وهي من أكثر الكيماويات خطورة على البيئة البشرية، وتنتج عن مركبات الديوكسين العديد من الصناعات مثل تبيض الورق وصناعة المطاط والبلاستيكات وحرق المخلفات الطبية وغيرها من النشاطات الصناعية، والتكنولوجية.
وتتميز مركبات الديوكسين بالثبات والتحلل ببطء وتستغرق 15 عاما حتى يتحلل نصف محتواها، ولذلك فعندما تتلوث المياه بالديوكسين، تتجمع وتتركز في أجساد الكائنات البحرية، وقد تنتقل إلى الماء ومن ثم الزراعة لتكتمل سلسلة التلوث المعروفة التربة والنبات والحيوان والإنسان.
وأوضحت الشرياني أن الأبحاث أثبتت أن الديوكسين يسبب خللا في النظم المناعية، حيث دلت النتائج التي أجريت على فئران التجارب أن الصلة وثيقة بين التلوث بالديوكسين والإصابة بالإنفلونزا، كنتيجة لتضرر الجهاز المناعي، ذلك أن نوعين من الخلايا البيضاء المكونة للنظام المناعي شديدة التأثر بتلوث الديوكسين، والفئران التي تعرضت له هي التي قتلها فيروس الإنفلونزا، بمعدل ضعف التي لم تتعرض للتلوث، وعلى الرغم من أن جرعة التلوث كانت صغيرة.
كما أكدت الشرياني أن الدراسات التكميلية على السوائل التي تم استخلاصها من الفئران النافقة برهنت أنها جميعا تحتوي على ملوثات الديوكسن، لتثبت بذلك أن الفئران لم تمت من الفيروس فقط، ولكن من التلوث بالديوكسين والذي أحدث تدميرا في خلايا الرئة.
وأكدت الشرياني أن رصد مليارات الدولارات لإنتاج أمصال للوقاية أو للعلاج من الفيروس، ليس الحل الجذري للمشكلة، وإنما تطهير البيئة من الملوثات وخاصة الديوكسين سيزيد المناعة لتقف حائطا منيعا أمام انتشار الفيروس.
أما الفيروس المعروف باسم إنفلونزا الخنازير 1N1H استطاع الإنطلاق من المكسيك إلى أرجاء الأرض كافة، وتوجد صفات جينية مشتركة بين فيروسات إنفلونزا البشر والطيور والخنازير، وهذا ما يجعل الانتقال من حالة إلى أخرى ممكنا، كما أكدت منظمات الصحة العالمية الصلة الوثيقة بين الصناعة الغذائية المكسيكية وبين فيروس إنفلونزا الخنازير، والجدير بالذكر أنه لغاية الآن لا ينتقل فيروس إنفلونزا الخنازير بسهولة بين البشر، إذ يشترط القرب الشديد مع المصابين وهو ما يحدث بين أفراد الأسرة الواحدة.
وبينت الشرياني أن المكسيك تملك حوالي 16 مليون خنزير، وهو ما يمثل حوالي 6,1% من إجمالي عدد الخنازير في العالم، بالإضافة إلى أكبر شركة صناعات غذائية في العالم، ومصنعين كبيرين أحدهما في منطقة فيراكروز وهي منشأ الفيروس، حيث انتقل من خنزير مصاب من حظائر الشركة إلى أول المصابين وهو طفل يبلغ من العمر أربع سنوات.
وأشارت أن الباحثين يعتقدون أن الفيروس انتقل من هذه المزرعة إلى المياه السطحية في المنطقة، وامتد التلوث ليصل للهواء، حيث ان الفيروس يتكاثر في مخلفات الخنازير وبالتالي فإنه مرتبط تماما بحظائر هذا الحيوان، لكن لو أن هذه الحظائر قد راعت الشروط البيئية الصحيحة ما حدث هذا الانتشار، ولعل ظهوره يدعو جميع المنظمات التي تهتم بصحة الإنسان للرجوع إلى الشركات المصنعة للحوم بكافة أنواعها لمراجعة ماذا يقدم للناس على صورة لحوم مصنعة أو معالجة.
ولفتت الشرياني أن بعض المحللين البيئيين يعتقدون أن حظائر الخنازير بوضعها الحالي والذي تعتمد في الأساس على المخلفات المنزلية هو مرتع خصب لفيروسات أخرى، لذا يجب على الجميع معرفة أن الحظائر المغلقة والتي تعتمد على النفايات المنزلية وغير المنزلية يصعب تحسين وضعها البيئي، وأن أول البديهيات هو التخلي تماما عن هذا الأسلوب غير الحضاري، ولكن الربح المرتفع جدا في حال الاعتماد التربية على المخلفات يدفع أصحاب الحظائر نقلها لأماكن جديدة، قد تكون قريبة من التجمعات السكنية، لكن أخذ الإجراءات وتطبيق مواصفات بيئية صارمة في حظائر الخنازير، تمنع أو تحد من غير وجود مثل هذه الأوبئة.
نماذج
من نماذج التلوث العالي جداً يمكن أن نذكر فيتنام، حيث بلغ حجم مبيدات الأعشاب التي تم رشها أكثر من 19 مليون لتر، وهي أعلى معدلات رش للمبيدات، وبعد أكثر من 30 عاما على رشها لا تزال هذه المركبات موجودة ومستمرة في التربة وتنتقل إلى غذاء السكان المحليين، وتسبب مشاكل صحية خطيرة.
