وافق مجلس الوزراء في دولة الإمارات العربية المتحدة في اجتماعه مؤخرا على إنشاء « مجلس الإمارات للتوطين » بحيث يضم ممثلين عن مجالس وهيئات التوطين على المستويين الاتحادي والمحلي وأية جهات أخرى تساعد في عمل المجلس الناشئ الذي يتطلب وضع السياسات والضوابط والمعايير اللازمة في شؤون التوطين للوظائف وتقديم الدعم اللازم لضمان تنمية مهارات وقدرات المواطنين للتنافس في سوق العمل. ولعل احد أسباب إنشاء المجلس هو عدم رضا الحكومة عن ما تم انجازه حتى الآن في إطار سياسة التوطين والتي حثت الدولة القطاعين الحكومي والخاص على اللجوء إليها. وحدة الدراسات في «البيان» عقدت ندوة بعنوان «التوطين في دولة الإمارات.. الانجازات والمأمول» دعت لها مجموعة من ذوي الاختصاص والأكاديميين والمهتمين لمناقشة واقع سياسة التوطين في الدولة وما تم انجازه حتى الآن بهذا الخصوص وما يمكن أن تصل إليه الأمور في المستقبل وذلك وفق المحاور التالية:

المحور الأول: سياسة التوطين في الإمارات وما تم انجازه حتى الآن. المحور الثاني: الآثار السلبية والايجابية لسياسة التوطين والمعوقات التي تحد من التقدم في هذا المجال. المحور الثالث: إنشاء مجلس الإمارات للتوطين والخطوات العملية التي سيتخذها المجلس لانجاز أهدافه في المستقبل. افتتح د. محمد المطوع الندوة بقوله: بداية نشكركم على تلبيتكم دعوتنا في المشاركة في هذه الندوة، ربما كلنا يتذكر أن مشكلة وجود البطالة بين المواطنين هي من بين المشكلات المزمنة منذ قيام الاتحاد، وقد وصل عدد العاطلين عن العمل في مرحلة من المراحل إلى 30 ألفا ثم تدخل المرحوم الشيخ زايد وحل جزءا من المشكلة، وفي الوقت الراهن فان متطلبات سوق العمل تختلف عما كانت عليه في السابق .

وربما يكون مشروع وزارة العمل الذي وافق عليه مجلس الوزراء مؤخرا بإنشاء مجلس الإمارات للتوطين هو محاولة جادة لإيجاد حلول فعلية لكيفية الاستفادة من الكوادر البشرية الإماراتية آخذين بعين الاعتبار أن عدد المواطنين بالنسبة للتركيبة السكانية هو قليل ولا تزيد في أحسن الحالات عن 20% من عدد السكان بينما من يبحثون عن العمل هم كثيرون خصوصا وان مجتمع الإمارات مجتمع شاب ولدينا آلاف الطلاب والطالبات الذين يتخرجون من الجامعات سنويا في الداخل والخارج.

وتبقى إشكالية ليست خاصة بدولة الإمارات وإنما هي أيضاً موجودة في دول الخليج العربية وهي مشكلة البطالة حيث توجد المشكلة في السعودية مثلا، ومن خلال هذه الندوة سنحاول إلقاء الضوء على كيفية معالجة هذا الموضوع من خلال المحاور الثلاثة التي وضعناها للبحث.

خلفية تاريخية

* فضة لوتاه: قبل الحديث عن سياسة التوطين لا بد من تقديم خلفية تاريخية لهذه السياسة، فقد استشعرت الدولة أهمية التوطين في أعقاب التزايد المستمر في أعداد العمالة الوافدة حيث تدفقت خلال العشر سنوات الماضية أعدادا كبيرة منهم لأسباب اقتصادية كثيرة مثل ارتفاع مستوى المشاريع في الدولة وتغير النظرة العامة بفتح الاقتصاد للجميع حيث بلغت نسبة الزيادة أربعة أضعاف عما كانت عليه قبل عام 2000، وقد أخل هذا في التركيبة السكانية للدولة حيث أن عدد العمالة المواطنة قليل قياسا للعمالة الأجنبية.

كما أظهر التوسع في النشاط الاقتصادي نقصا في المهارات المواطنة التي يتطلبها سوق العمل، لذلك تدفقت العمالة الرخيصة من البلدان المجاورة، كما أن القطاع الخاص انفرد في التوسع في قطاعي الإنشاءات والخدمات والتي لا يرغب المواطن في العمل فيهما نظرا لتدني الرواتب وعدد ساعات العمل الأطول كما أن دراسات جدوى القطاع الخاص وضعت بناءا على تكلفة العمالة الوافدة وليس العمالة المواطنة، كما أن سوق العمل بحاجة لنوعية معينة من التخصصات الفنية وهي غير متوفرة لدى المواطنين خاصة بعد إلغاء التعليم الفني والمهني.

بالإضافة لرغبة المواطنين في العمل في القطاع الحكومي نظرا للتباين الكبير عنه في القطاع الخاص من حيث الرواتب وساعات العمل والأمن الوظيفي. كذلك تعاني دولة الإمارات من إشكالية عدم وجود صناعة متكاملة للتدريب وقد أوصت إحدى الدراسات بإنشاء المجلس الوطني للتدريب بحيث يضم كل الجهات التي تتولى عمليات التدريب وعدم تركها موزعة بين الوزارات وان يتم العمل بمعايير موحدة للتدريب على مستوى الدولة، كما نعاني من عدم مواكبة النظام التعليمي من حيث المحتوى لمتطلبات سوق العمل وقد اقترحت « تنمية».

وتقدمت بتوصيات بشان التخصصات المطلوبة لسوق العمل وبشان المناهج تقدمنا ببرنامج الإرشاد المهني لوزارة التربية ولكن لم يتم الأخذ به، كما علينا أن نعرف أن سوق العمل متغير وعلى مخرجات التعليم أن تواكبه وبالسرعة نفسها فمثلا فان سوق العمل يتطلب مهارات عالية في اللغة الانجليزية ولكن خريجي المدارس الحكومية غير قادرين على متطلبات الدخول للجامعات أو لسوق العمل، كذلك الأمر فإننا نعاني من نقص المواطنين الذين يمثلون الإمارات في المؤسسات العالمية والتابعة للأمم المتحدة.

وبالنسبة للتشريعات فقد نصت على تخصيص قطاعات المصارف والتجارة والتامين لنسب سنوية من العمالة المواطنة لكن السؤال من الذي عليه أن يتابع نسب التوطين هذه؟ واعتقد أن وزارة العمل هي التي عليها أن تتحمل هذه المسؤولية.

* علي جاسم: المشكلة التي نتحدث عنها هي نتيجة لإفراز عدم وجود إستراتيجية تنموية عامة في الدولة فدولة الإمارات بحكم تركيبتها الاتحادية هي مجموعة من الإمارات ولكل إمارة منها سياستها ونظرتها الخاصة ولكن حتى في الإمارة الواحدة لا توجد إستراتيجية. ونحن نقول إن أي مشكلة وليس فقط التوطين بحاجة لقرار سياسي يجب أن يدعم بعدة عوامل، فالمشاكل الموجودة هي نتيجة تراكمية وهي موجودة في الدول الخليجية المجاورة ولكن هناك برامج توطين في هذه الدول مثل عمان والسعودية.

وفي دستور دولة الإمارات هناك حقوق وواجبات للمواطن فمن حق المواطن التعليم والعمل والزواج وواجباته الإخلاص للوطن وتقديم الخدمات فالعملية متوازنة، ولكننا نخسر إذا صرفت على المواطنين المبالغ الطائلة ولم يتم الاستفادة منهم في سوق العمل وتوظيفهم في شتى المجالات، وان لا يبقى العمل متكدسا في الوظائف الإدارية الحكومية، خصوصا وأننا تركنا القطاع الخاص مع انه يمثل 99% من الإمكانيات والثروات حيث يجب وضع قواعد للقطاع الخاص فعلى مؤسسات القطاع الخاص أن تتبنى سياسة التوطين ولو بنسب بسيطة ويتم فتح نظام الوكالات.

وعلينا العمل على تأهيل المواطنين للعمل في الوظائف الوسطى وتشجيعهم وترغيبهم على العمل فيها وان يتم توزيع الوظائف جغرافيا على مختلف إمارات الدولة زيادة دخول الكوادر الوطنية إلى قطاعات الإعلام والتمريض والفنادق والمطارات والسياحة، كما علينا معالجة التباين الكبير في الرواتب بين الوظائف المدنية والعسكرية والاتحادية والمحلية، كما علينا سن القوانين والتشريعات في مجال التوطين.

دور تنمية

* نورة البدور: أريد أن أعطي فكرة عن عمل هيئة «تنمية» والتي ظلمت خلال السنوات الماضية فقد قامت الهيئة منذ إنشائها عام 2001 بتوظيف 12 ألف مواطن وتدريب 10 آلاف آخرين، ومع ذلك فمن التحديات التي تواجهها « تنمية» أنها أعطيت القوانين بشان التوطين ولكن لم يتم دعم هذه القوانين حتى تستطيع فرض نسب التوطين في كل المجالات. وبالنسبة للدول المجاورة فمثلا لا تصدر أية فيزة عمل دون أن تمرر على وزارة القوى العاملة بحيث لا يتم الموافقة عليها إذا وجد عماني يمكنه شغلها، فالقرار السياسي مهم ودولة الإمارات تفتقد لوضع قوانين وتشريعات ملزمة من أعلى سلطة لفرض التوطين.

* سارة هزيم: للوقوف على سياسة التوطين في الدولة وما تم إنجازه في هذا المجال حتى الآن لابد لنا من التعرف على العناصر الآتية:

أولاً: - تعريف التوطين

المقصود هنا التوطين في الوظائف والذي يأخذ صورتين اثنتين وهما:

1 ـ التوطين بطريقة الإحلال: ويكون بإحلال العمالة الوطنية (المواطنة) محل العمالة الأجنبية الوافدة في الوظائف التي تشغلها تلك الأخيرة.

2 ـ التوطين بطريقة التوظيف: ويعني توظيف العمال المواطنة في الوظائف الجديدة والمستحدثة في سوق العمل بدلاً من السعي لتوظيف العمالة الأجنبية الوافدة.

ثانياً: - سياسة التوطين

منذ مدة زمنية ليست قريبة بدأت الدولة في اتخاذ العديد من القرارات وسلكت العديد من الوسائل التي سعت من خلالها إلى توسيع دائرة التوطين في الوظائف داخل قطاعيها العام والخاص وبذلت الكثير من الجهد المضني في هذا المجال،وقد كانت سياسة الدولة تقوم في البداية على مبدأ توسيع دائرة التوطين في الوظائف القيادية العليا وخاصة في المرافق الحيوية كمرفقي الشرطة والقوات المسلحة وذلك بغية الوصول بنسبة التوطين بها 100% وقد نجحت في ذلك الهدف بالفعل نجاحاً باهراً وذلك باعتبار أن تلك المرافق لن تكون بمأمن ومعها الدولة برمتها ما لم تكن العمالة الشاغلة لمنصبها عمالة وطنية بنسبة 100% باعتبارهما مرفقين مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي لدولة الإمارات العربية المتحدة.

وقد اتجهت قوانين الدولة إلى فرض نسب معينة من التوطين على بعض الجهات والمؤسسات كالجهات المصرفية بلوغها مثال ذلك البنك المركزي الذي يوجب المصارف الوصول بنسبة توطين العمالة فيه إلى 40% من جملة عدد الشاغلين لوظائفها.

تتجه تعليمات معالي رئيس الدولة وحكام الإمارات أطال الله لنا في أعمارهم إلى السير بنسب التوطين إلى أعلى درجاتها وذلك تحقيقاً للأمل المنشود وهو أن يأتي يوماً لا يكون بالدولة وافد أجنبي إلا للزيارة للسياحة أو للاستثمار فقط،،وأن تكون الأيدي العاملة من أعلى درجات السلم الوظيفي إلى أدناه عمالة (مواطنة) وطنية بنسبة 100% كما تحقق في بعض المرافق الحيوية على النحو السالف الذكر.

ثالثاً: - ما تم إنجازه حتى الآن

كنا نتمنى أن لا يأخذنا عن تلك النقطة في بداية الندوة إلا أننا نؤكد في هذا المقام بأنه من العسير بل المستحيل على أي متخصص أن يحصر أو يستطيع أن يحصر ما تم إنجازه من توطين حتى الآن على أرض الواقع وذلك لأسباب حاصلها: -

1) عدم وجود مركز إحصاء شامل على مستوى الدولة يحصر ما تم إنجازه من عملية توطين وتاريخ تطور كل مرحلة من مراحله.

2) استحالة الحصر الفردي في عدم وجود مركز الإحصاء المأمول.

3) النسب الخاصة بالتوطين تتغير صعوداً أو هبوطاً بمستويات وحالات الاستقالات.

ومع ذلك يعود التساؤل ليفرض نفسه؟! ما الذي تم إنجازه من التوطين حتى الآن؟و سنجيب على ذلك التساؤل من خلال سرد بعض الإحصائيات الخاصة بعمليات التوطين في بعض المرافق الحيوية والمؤسسات العاملة بالدولة حسب ما توفر لدينا من معلومات:

1-نسبة التوطين في وظائف شرطة دبي

أ-بلغت نسبة التوطين في الوظائف القيادة العليا بشرطة دبي 100%

ب-بلغت نسبة التوطين في الوظائف القيادية الإشرافية والوسطية 98%

ج- بلغت نسبة التوطين في الوظائف التنفيذية الأخرى 64%

وتلك النسبة هي التي أعلنت على لسان سعادة السيد اللواء/ طارش المنصور...مدير الإدارة العامة للموارد البشرية لشرطة دبي والذي أضاف بأن نسبة التوطين تتجه نحو الزيادة.

2-نسبة التوطين في جنسية وإقامة دبي 97%

بلغت نسبة التوطين بجنسية وإقامة دبي 97% من إجمالي العمالة وذلك طبقاً لما صرح به السيد اللواء محمد المري مدير إدارة الجنسية والإقامة بجريدة الخليج بعددها الصادر في 5/ 11/ 2008.

3-نسبة التوطين في هيئة الإنماء التجاري والسياحي 67%

بلغت نسبة التوطين لهيئة الإنماء التجاري والسياحي بالشارقة في عام2008 المنصرم 67% من نسبة الوظائف الإجمالية الشاغلة وذلك ما أكده سعادة / محمد على النومان مديرعام هيئة الإنماء للأخبار يوم 25/ 5/ 2009.

4-نسبة التوطين في شركة أبوظبي الوطنية للطاقة 40% بلغت نسبة التوطين في شركة أبوظبي الوطنية للطاقة المعروفة باسم (طاقة) حتى نهاية عام 2008 المنصرم 40% من إجمالي نسبة الوظائف الشاغلة.

5-نسبة التوطين بواحة دبي للسليكون 56%

بلغت نسبة التوطين في واحة دبي للسيلكون 56% كما أعلن بجريدة الخليج في عددها الصادر يوم 3/ 6/ 2009.وقد وصلت الواحة بتلك النسبة من خلال تصميم برامج تنمية الكوادر الوطنية.

6-نسبة التوطين في شركة (اتصالات) 50% حتى نهاية 2006

بلغت نسبة التوطين في وظائف شركة اتصالات حتى نهاية عام 2006 حسب المتاح لنا من إحصائيات 50% من مجموع موظفيها ووصلت بتلك النسبة آنذاك إلى المستهدف من نسبة التوطين في برامجها.

7- نسبة التوطين في مصرف دبي 30%

يسعى مصرف دبي إلى زيادة نسبة التوطين ليصل في نهاية العام الحالي 2009 إلى نسبة 30%وذلك من خلال برنامجها الريادي (الرواد)يعد إحدى المصارف التابعة لمجموعة دبي.

8-نسبة التوطين في جمارك دبي 81%

بلغت نسبة التوطين في جمارك دبي 81%حتى نهاية عام 2008 المنصرم وتعتبر من المؤسسات الحكومية التي حققت أعلى نسبة توطين على مستوى الدولة.

9-نسبة التوطين المنتظرة في الشركة المشغلة لمترو دبي 30%

ستكون نسبة التوطين المنتظرة في الشركة التي ستقوم بتشغيل وصيانة مترو دبي حسب المخطط لها من الآن 30% من مجموع الوظائف الخاصة بها وتسعى إلى إيجاد كوادر إدارية قادرة على المساهمة في إدارة المشروع الذي بلغت تكاليفه 2و4 مليار دولار.

10 ـ نسبة التوطين في بنك الإمارات دبي الوطني 35%

بنك الإمارات دبي الوطني هي أكبر مجموعة مصرفية في الشرق الأوسط تمارس نشاطها داخل الدولة خلال فروعها البالغ عددها ما يزيد عن (110) فرع وأكثر من (440) جهاز صرف إلى تقوم بإعداد كوادرها من مواطني الدولة من خلال برنامج التعليم المتسارع - ِفٌ - والذي يتضمن التدريب النظري والعلمي على مدى }18 شهراً{ لإكسابهم المهارات المصرفية الأزمة المتطورة.وقد سعى إلى زيادة نسبة التوطين بين كوادره إلى 35% خلال العام الجاري 2009.

تلك نماذج من بعض الإحصاءات الخاصة بالتوطين داخل الدولة والتي تستطيع من خلال مطالعتها التعرف على سياسة الدولة في التوطين حيث سيتبين أن خطى التوطين تسير على قدم وساق وبخط بياني يميل إلى الصعود دائماً تارة ببطء في بعض المؤسسات والوزارات وتارة بسرعة تفوق الحد المأمول في البعض الآخر خاصة الحيوي منها.

المشاركون

* عيسى احمد عيسى الملا / المدير التنفيذي لتطوير الكوادر الوطنية / هيئة المعرفة والتنمية البشرية

* علي جاسم احمد / النائب الثاني لرئيس المجلس الوطني الاتحادي

* محمد خليفة الزيودي / مدير دائرة الموارد البشرية/ حكومة الفجيرة

* ساره هزيم / محامية ومستشارة قانونية / الشارقة

* فضة عبد الله لوتاه / مدير عام هيئة تنمية بالوكالة

* نوره احمد البدور / مدير مركز التوظيف وتنمية المهارات في تنمية

* حنان راشد الجروان / مدير عام دائرة تنمية الموارد البشرية / الشارقة

أدار الندوة: أ.د. محمد المطوع

أعدها للنشر: موسى أبو عيد

تصوير: عماد علاء الدين