إن رصد المرات التي لم تكن فيها تنبؤات المراقبين خاطئة فحسب بل وخاطئة بصورة مبالغ فيها ـ كالتوقعات التي أشارت إلى وصول مؤشر داو جونز إلى 36000 نقطة، وقيام العراقيين باستقبال الجنود الأميركيين بالبهجة والورود ـ مسألة سهلة كسهولة صيد السمك من داخل برميل، غير أن الأسماك في هذه الحالة تأبى أن تموت. وبغض النظر عن كثرة المرات التي يخطئ فيها هؤلاء الخبراء، إلا أنهم ببساطة لا يتوقفون عن التكهن.
ورغم أن توقعات المتكهنين تكون دائما خاطئة ومناقضة للحقائق، فإن ذلك لا يحرمهم من حقهم في مواصلة العمل. ويعزى ذلك إلى حد بعيد إلى خطأ وسائل الإعلام: فالقنوات التلفزيونية التي تبث إرسالها بالكابلات وبرامج الحوار الإذاعية وشبكة الإنترنت بحاجة إلى جميع المعلقين الذين تستطيع الحصول عليهم، بغض النظر عن منجزاتهم.
ولكن رغم أننا لا نستطيع إخراس المراقبين فإن باستطاعتنا تحديد القادرين على إعطاء صورة أكثر دقة عندما يتعلق الأمر بتنبؤات تتفاوت بين تأثير مشروع قانون إنعاش الاقتصاد الأميركي واحتمال حدوث اضطرابات في الصين. ومعرفة الأشخاص الأقدر على إعطاء تحليلات صحيحة يتوقف على شيء يطلق عليه علماء النفس الأسلوب المعرفي. واستنادا إلى هذه الحقيقة يريد فيليب تيتلوك الباحث النفسي في جامعة ستانفورد تعريفنا بالفرق بين الثعالب والقنافذ.
وفي البداية لم تسفر الدراسة المستمرة التي يجريها تيتلوك على 82361 نبوءة أعلنها 284 مراقباً (معظمهم ولكن ليس كلهم من الأميركيين) عن أي نتيجة. فقد حاول تيتلوك أولا أن يعرف ما إذا كانت الدقة تتوقف على حصول الباحث على درجة الدكتوراه، أو كونه خبيرا في الاقتصاد أو العلوم السياسية بدلا من كونه مجرد صحافي متبجح، أو أنها تتوقف على ما لديه من خبرة سياسية أو قدرة على الحصول على معلومات سرية، أو كونه واقعيا أو من المحافظين الجدد، أو ليبراليا أو محافظا. وكانت الإجابة بالنفي في جميع الحالات.
وكان أفضل العوامل، بطريقة عكسية، هو الشهرة: فبقدر ما يكون المراقب مشهورا في وسائل الإعلام، بقدر ما تكون دقة تنبؤاته رديئة. ومن هنا نتعرف إلى مفتاح الحل الأول لدى تيتلوك. فالمراقبون المفضلون لدى وسائل الإعلام أقوياء ويتمتعون بقدر عال من الثقة، وهم حاسمون، وليسوا مترددين أو متوازنين. وهم، باختصار، قنافذ وليسوا ثعالب.
عن مجلة نيوزويك الأميركية