تلقت الأجهزة الأمنية اتصالاً هاتفياً من الزوج يخبرها فيه بأنه عاد في ساعة متأخرة من الليل إلى شقته حيث وجد زوجته غارقة في بركة من الدماء.

حضر الضابط المناوب ومعه فريق البحث الجنائي وأجهزة التصوير وتم نقل الجثة إلى المختبر الجنائي، كان واضحاً أن الجاني دخل من الباب بدون عنف، فإما أنه يعرف السيدة فأدخلته من الباب أو أنه طرق الباب بشكل عادي وعندما فتحت له دفعها إلى الخلف ودخل خلفها وقتلها.

البحث عن الحقيقة

تم أخذ إفادة الزوج الذي قال انه كان في معرض للرسوم الذي أقامه في فندق خمس نجوم، وأنه بسبب ازدحام المعرض بالزوار الذين لا يأتون إلا في ساعة متأخرة فإنه لا يعود إلى بيته قبل منتصف الليل.

وعندما سأله الضابط إن كان يشك في أحد قال ليس له ولزوجته أعداء فهم أناس بسطاء في علاقاتهم الاجتماعية فهو لا يهتم إلا برسومه ومعارضه وزوجته تعمل في إحدى المدارس الابتدائية حيث كانت تُدرس مادة الرياضيات.

وأفاد الزوج بأن حياتهما كانت هادئة وليس فيها ما يعكره. تم أخذ البصمات وأداة الجريمة التي وجدت بالقرب من الجثة وكانت عبارة عن تمثال من المرمر يبلغ طوله نحو 60 سم ووزنه يزيد على 5 كيلوغرامات.

وكان تقرير المختبر الجنائي يشير إلى أن الزوجة قتلت ما بين الساعة التاسعة والنصف والعاشرة إلا ثلث، أي أن القاتل تمكن من الوصول إلى الضحية والإجهاز عليها خلال عشر دقائق.

وأضاف التقرير أن السيدة قتلت بسبب ضربة قوية من أداة ثقيلة على مؤخرة رأسها ثم سقطت على الأرض بسبب قوة الضربة.

وبسبب سقوطها تكسرت بعض أسنانها الأمامية. وأضاف التقرير أن المجرم أراد أن يتأكد من موتها حيث قام بتهشيم وجهها خاصة الجبهة.

والأهم من ذلك أن تقرير المختبر الجنائي لم يشر إلى وجود بصمات على أداة الجريمة، وأن المجني عليها لم تتمكن من الوصول إليه حيث حاول الفريق العلمي في المختبر الجنائي إيجاد أي دليل على المجرم مثل شعره أو بصماته أو حمضه النووي DNA لكن ذلك لم يكن موجوداً.

إضافة إلى ذلك فقد خلص التقرير إلى أن الجريمة تمت بسبب وبدافع القتل فقط فلم يتم الاعتداء على القتيلة جنسياً كما أنه لم يتم سرقة أي شيء من الشقة.

كان الأمر محيراً للرجال الأمن الذين بدأوا يشعرون بالإحباط، انتقلت التحقيقات إلى المدرسة التي كانت تعمل فيها القتيلة حيث أكد الجميع بأنها كانت رمزاً للروعة والتفاني في عملها وان جميع الزملاء يكنون لها كل حب وتقدير وأنهم يشعرون بالأسى على فقدها.

كانت الأجهزة الأمنية ترجح بان الزوج قد يكون هو القاتل فخلال تفقد الشقة لم يتم العثور على بصماته وبصمات زوجته، لكن في المقابل لماذا يقتلها إذا كان الجميع يؤكدون بأنها كانت إنسانة رائعة بكل المقاييس وانه لم يكن بينها وبين زوجها أية مشاكل تذكر؟

اتجهت الأنظار إلى ثروة السيدة القتيلة حيث تبين من خلال فحص حسابها في البنك بأنها تمتلك 8000 دولار فقط وانه ليس لها أرث أو ثروة أخرى.

كما تؤكد أيضا بأنها لا تملك بوليصة تأمين على حياتها في جميع شركات التأمين العاملة في البلاد، لذا كانت دوافع الحصول على ثروتها غير وارد، فليس من المعقول ان يقتل رجل زوجته بسبب 8000 دولار، إضافة إلى ذلك فقد أكدت التحريات بانه رجل محترم وشخصية اجتماعية هادئة وان دخله من عمله ومن معارض اللوحات التي يرسمها يزيد على 80 ألف دولار سنويا وهو دخل يكفل له حياة مريحة إضافة إلى ذلك فانه ليلة ارتكاب الجريمة كان يقيم معرضا خاصا بلوحاته في فندق خمس نجوم فليس من المعقول ان يترك المعرض ثم يأتي لقتل زوجته ويعود إلى المعرض من جديد.

البحث في كل الاتجاهات

بعد أخذ الأدلة من الجهات الرسمية ثم مراقبة هاتف الزوج فلعله يحدث ما لم يكن متوقعا فمجرد كلمة عبر الهاتف قد تعطي الكثير من الدلالات والمؤشرات وقد ترشد رجال الأمن إلى القاتل لكنه وخلال 45 يوما من المراقبة المستمرة للهاتف النقال للزوج لم يسجل قسم المراقبة أية اتصالات غير طبيعية بل على العكس من ذلك كان الرجل كلما اتصل به احد ليعزيه كان يجهش بالبكاء.

في الوقت نفسه كانت الأجهزة الأمنية تبحث في اتجاهات مختلفة لكنها وبعد مرور ثلاث سنوات لم تتمكن من إيجاد الفاعل وأخيراً أمر الضابط بحظ التحقيق لعدم وجود أدلة جنائية ضد أحد.

أما الزوج فقد كفت الأجهزة الأمنية عن مراقبته، ولم تتدخل عندما عرفت بأنه استأجر فيلا في مدينة مجاورة فلعله قام بذلك رغبة منه في نسيان الماضي فهو لا يريد ان يتذكر مقتل زوجته.

في أحد الأيام حملت الصحف خبراً مفاده ان شخصية مهمة جداً ستقوم بافتتاح معرض للرسومات الزيتية في فندق ضخم وان الشخصية المهمة جدا ستصل إلى مكان المعرض الساعة الثامنة مساءً.

كان مجرد ذكر اسم هذه الشخصية وحضورها للمعرض يعني ان الأجهزة الأمنية ستكون جميعها في حالة استنفار من الدرجة الخامسة.

عندما جاءت الشخصية المهمة جداً وبدأت تتجول في المعرض وتقف عند كل صورة ولوحة، كان رجال الأمن يحيطون بالرجل إحاطة السوار بالمعصم، فخلال ذلك لاحظ الضابط الذي كان مسؤولا عن مقتل الزوجة وجود لوحات لنساء وأطفال وغابات عليها رسم صغير عبارة عن عظمتي الفخذين على شكل (x) استغرب الضابط ذلك، فجميع الفنانين، ورسامو اللوحات يكتبون أسماءهم أو توقيعاتهم، فلماذا هذه اللوحات تحمل هذا الشكل الغريب.

عاد الضابط بذاكرته إلى الوراء وتذكر أن أداة الجريمة في مقتل السيدة وهو التمثال المصنوع من «الماربل» كان يحمل صورة لعظمي الفخذين على شكل (x).

طلب الضابط من أحد رجاله أن يتحرى عن صاحب هذه اللوحات، حيث تبيّن بأنها تعود إلى زوج القتيلة، بعد انتهاء زيارة الشخصية المهمة جداً اندفع الضابط مسرعاً حيث المختبر الجنائي حيث تفحص أداة الجريمة التي قُتلت بها السيدة وتأكد بالفعل من أنها تحمل رسماً لعظمتي الفخذين على شكل (x).

في صباح اليوم التالي توجه الضابط إلى زوج القتيلة حيث كان محاطاً بلوحاته الفنية الجميلة، فهذا الرجل فنان حقيقي لا يكاد يضع ريشته على قطعة قماش حتى تتحول إلى لوحة في غاية الجمال، ولهذا كان محط إعجاب وإشادة من قبل جميع النقاد.

تقدم الضابط إلى الرسام وقدم له هدية وهي عبارة عن مجموعة من الصور كما قدم له (CD) عن المعرض وعن زيارة الشخصية المهمة جداً، ثم قام الضابط بتعريفه بنفسه قائلاً إن الأجهزة الأمنية تريد أن تخلد زيارة الشخصية المهمة جداً للمعرض وتريد منه أن يصنع تمثالاً من (الماربل) تقدمه لتلك الشخصية.

وأضاف الضابط: نريد أن ينجز العمل خلال أسبوع، وعندما تنجزه يمكنك أن تضع المبلغ الذي تريده، فليس المهم ما سندفعه لك ولكن المهم أن يكون العمل منجزاً بطريقة رائعة كما عهدنا فيك ذلك.

هنا قال الرجل أنا سأصنع لك ما تريد ومقابل ذلك أنا لا أريد نقوداً ولكن كل ما أريده هو أن يكون شعاري على التمثال.

قال الضابط لا بأس فلك ذلك إضافة إلى ما تطلبه من مال. في أثناء ذلك جاء رجل كان يتفقد المعرض ثم تقدم من الرسام وسلم عليه وقال له كيف أنت الآن، فرد الرسام أتقدم في العلاج والفضل يعود لك.

استأذن الضابط في الانصراف وتبع خطوات الرجل الذي يسلم على الرسام.

وفي زاوية من المعرض تقدم الضابط من الرجل وعرفه بنفسه فقال الرجل في المقابل أنا الدكتور فلان وأعالج الرسام منذ فترة تزيد على خمس سنوات، ولهذا سألته كيف يبدو الآن.

طلب الضابط من الطبيب أن يزوره في اليوم التالي في مكتبه وأن يبقي الأمر سراً، وفي الموعد المحدد جاء الطبيب ليخبر الضابط بأن الرسام يعاني من عقدة الاضطهاد والإهمال ويبدو أن ذلك سببه هو موت والده وهو صغير وزواج أمه من رجل آخر وأنه على ما يبدو كان زوج أمه يضطهده ويضربه.

وعندما سأله الضابط هل لحالة الرسام علاقة بقتل زوجته؟ فرد الطبيب بأن حالته غير عدوانية كثيراً، لكنه لا يميل إلى ذلك.

بعد أسبوع ذهب الضابط إلى الرسام ليطمئن على تمثال الماربل حيث وجد على قاعدته نفس الشكل عظمتي الفخذين على شكل (x) هنا سأله الضابط عن سبب هذا الشعار، فقال الرسام إن هذا الشعار يعني المرأة وهو بالتالي يعني الخصب والنماء والحياة والأطفال والأسرة السعيدة.

فرد عليه الضابط ويعني أيضاً الخيانة وعدم إخلاص الزوجة، وهنا ثار الرسام وبدأ يتكلم بصوت عالٍ وحاد ويقول للضابط إن زوجته كانت امرأة شريفة، بل أشرف منه ومن والدته وأخواته وكل أسرته.

ثم أمسك بتمثال (الماربل) ورماه على الأرض وهجم على الضابط يريد خنقه.

تدخل رجال الأمن وأمسكوا الرسام ونقلوه إلى المستشفى الخاص بالمختبر الجنائي حيث أفادت التقارير الطبية بأنه مصاب بصدمة نفسية.

استمر علاج الرجل نحو (15) يوماً وكان الضابط يراجع حالته أولاً بأول دون أن يدري وبعد أن تعافى الرجل تم نقله إلى غرفة التحقيق حيث وجه له الضابط سؤالاً واحداً هو لماذا قتلت زوجتك.

الاعتراف

طلب الرجل حضور طبيبه النفسي كشرط للكلام وفعلاً كان له ذلك، حيث حضر الطبيب النفسي وعندها بدأ الرسام يتكلم، وقال عندما كنت في الخامسة والعشرين من عمري تعرضت لحادث سير أفقدني رجولتي.

ورغم أنني أنفقت الآلاف من الدولارات إلا أنني لم أستعد رجولتي.

وأخيراً قررت أن أتعايش مع هذا الوضع حتى جاء اليوم الذي التقيت بها في معرض للصور كنت أقيمه في أحد الفنادق، كانت رمزاً للأنوثة والجمال وبدأت تمطرني بأجمل كلمات الغزل فقد كانت معجبة جداً بلوحاتي، ورغم أنني حاولت أن أبعدها عني إلا أنني لم أتمكن فقد كانت تأتي كل يوم إلى المعرض أحببتها من كل قلبي لكني كنت أعرف بأنني لن أسعدها كزوج، حاولت أن أشرح لها بأنني لا أستطيع الزواج منها، فكانت تعتقد بأن المال هو العائق وفي يوم جاءتني بمبلغ كبير من المال كانت تضعه في حقيبة صغيرة، وانصرفت وهي تقول ليس لديك الآن حجة.

وتم الزواج وكانت صدمتها كبيرة وصدمتي أكبر وبعد أشهر بدأت الخلافات تظهر بيننا مع أتفه الأسباب وكنت أتحمل ذلك لأنني أنا الطرف الأضعف.

وأخيراً عرفت بأن لها علاقة مع شاب جار لنا، حاولت أن أبعدها عنه بالهدايا والفلوس والسفر إلى الدول الأوروبية، لكن ذلك كان مثل المسكنات للألم ليس إلا.

وفي يوم رجعت إلى البيت ووجدتها من دون ثياب أمام كاميرا متصلة بالكمبيوتر، وأيقنت بأن الذي على الطرف الآخر هو الشاب.

وعندما فاتحتها في الأمر ثارت وصرخت وقالت بأنها تحبه ومع ذلك حاولت أن أسيطر على غضبي، وعندما طلبت الطلاق قلت لها سأعطيك ما تريدين ولكن بعد انتهاء المعرض.

وأضاف الرسام قبل أن أقتلها بيوم شاهدت على هاتفها النقال رسالة مرسلة إلى الشاب تقول فيها أتيت إلى بيتك فلم أجدك ولا أدري أكانت تقصد أن أرى الرسالة أم أنها نسيت أن تمسحها.

عندها قررت أن أقتلها قبل انتهاء المعرض حيث رجعت إلى البيت وكانت تجلس أمام الكمبيوتر كعادتها حتى أنها لم تحاول أن تقول لي لماذا رجعت أو ماذا تريد أو أي شيء فقتلتها بضربها بتمثال (الماربل) على رأسها ثم رجعت إلى المعرض ثم بدأ الرسام يصرخ بأعلى صوته قائلاً أنا لست مجرماً هي التي طاردتني وأعطتني المال حتى أتزوجها، لقد كنت أعرف بأنني لا أصلح كزوج وكنت أعيش للوحاتي حتى ظهرت في حياتي فحولتها إلى عذاب وشك وأشعرتني بعجزي كرجل.

أخذ الرسام يضرب رأسه بالحائط ويصرخ بأعلى صوته هي المجرمة ثم وقع على الأرض، تم نقله إلى غرفة العناية المركزة في المستشفى التابع للمختبر الجنائي.

أما المحضر فقد تم تحويله إلى المحكمة.

أحمد سلطان